كلمة جيرون

الغرائبية لا تصنع وطنًا

حيّر حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوريين، أقلقهم وأرّقهم، فمنذ انطلاق الثورة، لبس هذا الحزب أثوابًا عديدة، وتلوّن بألوان كثيرة، وبنى تحالفات آنية هشّة، وأخرى قوية مصلحية، وتعامل كثعلب ماكر مُتقلب، يقول أقوالًا ويفعل نقيضها، لكنّه مع كل هذا، لم يستطع أن يفرض نفسه على أحد كبيضة قبان راسخة للمستقبل.

بالنسبة للنظام السوري، هو حليفٌ يمكن الوثوق به، لأن تغيير النظام ليس من همومه، وإسقاط الأسد ليس من اهتماماته، وهو مُساير مطواع، لكنّه “يُخرمش” أحيانًا، ويجب الحذر منه، فزعيمه ثعلب من جبال قنديل، يُخشى أن يتمرد، أو يستقوي بالغير، ولا ضير من استخدام سياسة العصا والجزرة معه.

بالنسبة لغالبية الأحزاب الكردية، هو الأخ الكبير المتسلط، المتفرد الاستبدادي. صحيح أنه يحمل على عاتقة تحقيق الكثير من الأهداف المشتركة، والمُرحّب بها، ويُشفي الغليل القومي، إلا أنه شقيق عاق، لأنه لا يقبلهم كشركاء بل كأتباع، وهم لا يريدون “جبهة وطنية تقدّمية” يقودها حزب قومي كردي كحزب البعث العربي.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فهو الحليف العسكري لا السياسي، والحليف المرحلي المُفضّل لمحاربة “إرهاب داعش” في سورية، وهو الشريك الذي يمكن نفخه بسهولة، و”تنفيسه” بسهولة، ويمكن -فيما لو أرادت- أن تتكئ عليه لتنفيذ بعضًا مما تريد في المنطقة، ويمكن، في الوقت نفسه، التخلي عنه فجأة إن انتهت مهمته، دون تعويض نهاية خدمة.

وبالنسبة للروس، هو حليف ماركسي، ابن عم حليف لينيني، لروسيا أفضالٌ عليه وعلى قومه، يجب ألا ينساها، فهي التي دعمت (كردستان الحمراء)، و(جمهورية مهاباد)، وهي التي دعمت العمال الكردستاني في أحلك الأوقات، ورفضت تصنيفه إرهابيًا، وهي تعتقد في قرارة نفسها أنه ورقة بيدها؛ لممارسة النفوذ بالشرق الأوسط، وحليف يمكن بسهولة سرقته من العم سام وقت الشدّة.

وبالنسبة لإيران و”حزب الله”، فإن حليف الحليف، حليف، وهذا الحزب حليف للنظام، وحليف لروسيا، وهذا يعني أنه يمكن العمل معه، لكن ضمن حد مدروس بدقّة، فلا يَنهزم؛ ليبقى شوكة بوجه المعارضة، ولا يَهزِمَ حتى لا يُعدي أكراد إيران. أما بالنسبة لإسرائيل، فإن عدو العدو، صديق، وهذا الحزب يتشارك معها بكرهه للعرب؛ ما يعني أنه يمكن أن يكون صديقًا طالما ظلّ على مبدئه.

بالنسبة لتركيا، هو الامتداد البشري والفكري والأيديولوجي لحزب العمال الكردستاني، الإرهابي الأول في نظرها، ولا مانع من المخاطرة بالتحالفات الاستراتيجية، مقابل وقفه عند حده، فهو الخطر الخارجي التوأم للخطر الداخلي.

أما بالنسبة لـ “المعارضات” السورية، فهناك تقييمات مختلفة، فهيئة التنسيق التي منحته غطاءها في بدايات الثورة، ثم غادرها ساخرًا من لاءاتها، تتمنى عودته لتستقوي به، وتَعِدهُ بأن تجد له مبررات “أيديولوجية”؛ لإقناع السوريين بإدارته الذاتية ولا مركزيته وفيدراليته، بينما يراه الائتلاف عميلًا للنظام، وطرفًا مارقًا، انتهازيًا شوفينيًا متلونًا، مستعدًا للتعامل مع الشيطان فيما لو أوصله لمشاريعه التقسيمية القومية، التي ستُنهي سورية التي عرفوها، وبالنسبة للمعارضة المُسلّحة، هو رجس من عمل الشيطان، قاتلهم وباعهم وغدر بهم، في أكثر من موقعة، والتحالف معه خطيئة، بل ومحاربته ومحاربة مشاريعه واجب وطني.

لهذا الحزب أصدقاء كثر، موقتين وطارئين، قدماء وجدد، لكنه، ليس بيضة القبّان لأيّ منهم، وليس جوهرة التاج لأحد منهم، ولا حصانة دائمة له عند أي طرف، وفي المقابل له أعداء كثر، محدثين ومُرسّخين، من قوميته ومن القوميات الأخرى، وهو بهذه التركيبة المتشابكة الغرائبية المتناقضة الانتهازية المصلحية، قوي وقادر على الحياة وتحقيق ما يريد، وباختلال هذه التركيبة سيكون ضعيفًا للغاية، بل مشلولًا، وسط بحر ممن عاداهم، وهذه التركيبة السريالية يصعب أن تدوم، وإن دامت لن تستطيع صنع وطن سوري، بل ولا كردي، لا الآن ولا في أي مستقبل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق