هموم ثقافية

بُصرى الشام الماضي العريق والحاضر المدمر والمستقبل الواعد

الذي يميز مدينة بُصرى الشام أنها من المدن الحية، وأن كل حضارة نشأت وبُنيت على أنقاض الحضارة التي سبقتها، وهو ما كشفته التنقيبات الأثرية في المدينة خلال عقود.

تبقى الحقب الزمنية الأقدم في المدينة غير معروفة -بوضوح-حتى الآن، لكن الحفريات الأثرية المستقبلية كفيلة بالكشف عن كثير من تاريخ المدينة ومعالمها، وترجع أقدم المكتشفات الأثرية في المدينة إلى العصر البرونزي؛ هذا ما اكتشفته البعثة السورية – الفرنسية التي عملت في بصرى، كما أن أول كتابة تذكر مدينة بصرى تعود إلى العصر الفرعوني، في نهاية الأسرة الثانية عشرة (نهاية القرن التاسع عشر بداية القرن الثامن عشر قبل الميلاد)، كما ذُكِرت في لوحات تل العمارنة المكتشفة في مصر، والتي يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

أصبحت بصرى في العصر النبطي العاصمة الثانية للأنباط بعد البتراء، وكذلك أضحت عاصمة للولاية العربية عام 106م، في العصر الروماني، واستمرت مدينة بصرى بالازدهار في العصر البيزنطي.

 

أما في العصور الإسلامية، فقد كانت بصرى أول مدينة سورية دخلتها الجيوش العربية الإسلامية صلحًا، عام 634م (13 هجري)، وكانت مدينة مزدهرة في العصر الأموي، وحاميةً ومصدرًا زراعيًّا للعاصمة دمشق، وهي المشهورة بقمحها ومحاصيلها الزراعية، وفي العصر العباسي تقلصت أهميتها؛ لانتقال عاصمة الخلافة العباسية إلى بغداد، ثم عادت إلى نشاطها وأهميتها في العهد السلجوقي، وفي العهد الأيوبي أقيمت فيها مبان عدة، ذات مستوى عال من التقنية المعمارية، وفي العهد المملوكي خفّت حركة البناء، والحمام المملوكي شاهد مهمّ على تلك الحقبة، وكذلك مئذنة جامع فاطمة.

 

تراجعت أهمية مدينة بُصرى بعد ذلك، وخف نشاطها، بسبب عدم الاستقرار، وهجوم البدو على القرى في حوران، وكان أهل بُصرى يحتمون بالقلعة، كذلك كان انتقال طريق الحج إلى مدينة مزيريب سببًا آخر لفقدانها أهميتها ونشاطها التجاري، وهكذا أصبحت بُصرى مدينة صغيرة.

أُنجزت جميع الأعمال والتنقيبات الأساسية في مدينة بُصرى، بإدارة وإشراف وتخطيط سليمان المقداد، من عام 1947، وحتى وفاته وهو على رأس عمله عام 1982، وبعد ذلك تابع رياض المقداد ودريد المقداد أعمال الترميم، حتى سنة 2002، وتحسّنت ترميمات قلعة بصرى، وكذلك أبراجها العربية الإسلامية، ومدرجها الروماني والمباني الأثرية الموجودة في المدينة القديمة، والتي تعود إلى حقب زمنية مختلفة، وكذلك تمّت في تلك الفترة الاستملاكات لإزالة البيوت المُحدثة فوق المباني الأثرية، والتي كانت تحجبها بشكل كبير، والتي بفضلها تم حماية الباب النبطي وإعادة ترميمه، وكذلك رُمِّمَ باب الهوى، وهو المدخل الغربي للمدينة، والذي يعود إلى العصر الروماني، ورُمِّمت أجزاء من الحمامات الرومانية الجنوبية، وأُعيد ترميم الأعمدة في الفسحة الشرقية من المبنى، كما رُمِّمت السوق الأرضية، وخان الدبس، والكاتدرائية البيزنطية للقديسين سيرج وباخوس ولبونتوس، والحمام المملوكي، وأبنية أخرى.

 

بعد عام 2010، بدأت مدينة بُصرى الشام تدخل مرحلة العبث بآثارها، وسوء الإدارة، وتنفيذ مشاريع داخل المدينة الأثرية، كلفت الملايين دون جدوى، ومنها تبليط الشوارع ببلاط جديد، على الرغم من وجود بلاط أثري قديم تحت الطبقة الجديدة، لا تحتاج إلا إلى بعض الجهد والعمل لاستعادة البلاط القديم، بألقه وجودته، وكذلك تم تخريب قصر تراجان، بإعادة بناء بعض جدرانه بالحجر البازلتي المنشور الحديث أيضًا، بينما الحجر الأصلي البديع موجود في ساحة القصر!

تلك أمثلة بسيطة من أمثلة أوسع وأكثر، تعطينا فكرة كيف كانت الإدارة الآثارية في بُصرى الشام ودمشق، وكيفية تعاملها مع الآثار السورية!، ومستوى الإهمال والفساد الذي بدأ يعم في تلك المرحلة.

 

في فترة انطلاق الثورة، كانت الآثار في المدينة عرضة لنيران القصف والتدمير بالطائرات وقذائف الدبابات والمدفعية؛ فدُمِّر الجزء العلوي من الكليبة (سرير بنت الملك)، والتي يعود تاريخها إلى العصر الروماني، ودُمّر الجدار الغربي للجامع العمري، وهُدمت أجزاء من سقفه، ثم تخريب بلاطه الداخلي؛ بفعل قذائف المدفعية، كما قُصفت المئذنة ودُمرت أجزاء منها، واحتُلّت القلعة، وحُوّلت إلى ثكنة عسكرية للنظام، وطُرد الموظفون الذين كانوا يتبعون للمديرية العامة للآثار والمتاحف في دمشق، وبعد تحرير المدينة من النظام، تم قصف أحد أبراج القلعة، ففُتحت ثغرة كبيرة أمام مدخله، وهو البرج الذي كان مقرًا لحاكم المدينة في العهد الأيوبي، والذي اتُخذ متحفًا للتقاليد الشعبية عام 1953.

 

إلى ذلك، دُمِّرت أجزاء من الباحة الغربية لمدرج بصرى الشام، والتي تعود إلى منتصف القرن الثاني بعد الميلاد، وكذلك دُمِّرت أجزاء من البناء في مدرسة أبي الفداء؛ فقد دُمّر جزء من الجدار الجنوبي من المدرسة، وجزء من مئذنته، ويرجع تاريخ هذه المدرسة إلى العصر الأيوبي، وقُصفت دُمّرت أجزاء من بناء مبرك الناقة، الذي يحمل ذكريات زيارة الرسول (ص) إلى المدينة، و قُصفت ودُمّرت أجزاء من الكاتدرائية البيزنطية في المدينة، وأجزاء من سقف جامع فاطمة، الذي يعود تاريخه إلى العصر الأيوبي، إضافة إلى أجزاء كبيرة من النسيج العمراني في المدينة القديمة التي ترجع أهم معالمها الأثرية إلى حقب زمنية مختلفة.

 

وبعد تحرير المدينة، استمرت الفوضى من بعضهم، وانتشرت بعض الحفريات العشوائية؛ بحثًا عن الكنوز القديمة، وسادت تجارة القطع الأثرية، وكثرت عملية البناء داخل المعالم الأثرية، مثل بناء قبة من الإسمنت المسلح مكسية بالحجر البازلتي المنشور في وسط الجامع العمري، والبناء العشوائي داخل المدينة القديمة، دون دراسة أو تخطيط، يساهم في الحفاظ على المباني الأثرية والنسيج العمراني القديم، أو يضمن حفظ هذا الإرث التاريخي بشكل جيد.

 

على الرغم من السلبيات والعبث والتدمير والتخريب والفساد، ما زالت مدينة بُصرى قادرة على أن تحمل لنا كثيرًا من المفاجآت، ذلك أن ما لم يُكتشف فيها أكبر بكثير مما اكتُشف، ولديها من الأسرار ما تكفي للإبهار في المستقبل، ووحده الجهد والعمل المستمر والدراسة والحفريات المنهجية المستقبلية ستحقق ذلك؛ لتبقى هذه المدينة الجنوبية أميرة جذابة، ومنارة وفخر لأثارنا السورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق