مقالات الرأي

المعارضة التقليدية في سورية الانكشاف والفشل

لعلّ الفشل السياسي الأبرز في بداية الثورة السورية، كان عدم قدرة المعارضة التقليدية على ترجمة مطالب الحرية والكرامة إلى برنامج انتقال سياسي شامل في سورية. كما لم يظهر أي قائدٍ يتمتَّع بشخصيةٍ كاريزمية مقبولة من معظم السوريين، معارضين وموالين، وكان العمل المؤسساتي المعارض قد اقتصر على (إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي).

 

اقتضت المسؤولية الوطنية اتفاق المعارضة التقليدية على نقاطٍ مشتركة؛ لأجل قيادة عملية التغيير، بهدف تجاوز حالة استبدادية ضربت جذورها العميقة في بنية المجتمع السوري وأفسدته، وقد مثّل اندلاع الثورة السورية، في 18 آذار/ مارس 2011، اختبارًا حيًّا لقدرة المعارضين على التصدي لمستجدات لا سابق لها في سورية.

استنجد الحراك في البداية بمعارضين تقليديين، غير مُكيَّفين للتعامل مع ثورة شعب؛ ربما بسبب مقارعتهم الاستبداد كأفراد، لم يتوافر لهم سند اجتماعي، فكانوا أشبه بأبطالٍ يمثلون على مسرحٍ من دون مشاهدين! وتبيَّن سريعًا أن لا أمل في الاعتماد على الشخصيات البارزة في المعارضة التقليدية للعب أدوارٍ إنقاذية وطنية، وانزاحت الهالة الكبيرة المحيطة بشخصياتهم التي صنعتها سنوات نضالهم الطويلة ضد الاستبداد.

 

كان ذلك أحد أهم الأسباب التي جعلت معارضين مغمورين في الخارج، يتصدّون لتمثيل الثورة السورية، مُستغلين حرية الحركة والقول، واستعدادهم لخدمة أجندات الدول. عمل هؤلاء، بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة، على نشر أمراضهم، بما فيها الطائفية، وتكريس ما كانوا يتخيّلونه عن سورية بعد سنواتٍ طويلة من الغربة عنها، وظهروا على وسائل الإعلام التي أفردت لهم الأوقات الثمينة؛ ليعبثوا بالواقع السوري الحسَّاس، كما عكسوا مطالب الشارع العفوية، أخطرها التّسلح، تلقائيًا كصورة في مرآة، دون أخذ خصائص الواقع السوري في الحسبان، ودراسة الجدوى السياسية.

 

إنّ أيّ سوري بسيط كان سيصدّق أنّ المعارضين -جميعهم- يعملون على توحيد جهدهم من منطلق وطني صرف، لكنّ ما حدث أنّ المسائل الشخصية كانت تطغى وتعطِّل، وما يتحقَّق اليوم يتمّ الالتفاف عليه في اليوم الثاني، كان اجتماع الأسماء المعروفة في البداية سيبرز المعارضة السورية ككيان موحَّد، ويضع اللبنة الأولى في بناء مؤسسة معارضة لمواجهة أخطر مرحلة تمرّ بها سورية.

 

يمكن توصيف حالة المعارضة في بداية الحراك السوري بما يلي:

– صعوبة القيام بالنشاط المعارض في ظل الاستبداد، فضلًا عن كلفته العالية؛ وبالتالي، لم يعرف السوريون نشاطًا سياسيًا وحزبيًا يُعتدُّ به، كمنافس للسلطة الحاكمة.

– الخوف من اتخاذ خطوات جريئة في الداخل، قد تعرَّض السياسيين للتنكيل والسجن، والميل إلى العمل السري، في الوقت الذي أصبح فيه هذا العمل غير كافٍ في الأوضاع الثورية.

 

– شخصنة العلاقات بين رموز المعارضة، وعدم القدرة على تجاوز الخلافات الشخصية، والارتقاء إلى مستويات المسؤولية الوطنية التي فرضت نفسها بعد الثورة.

– لم تفرز السنوات السياسية العجاف سوى أبطال دون كيشوتيين، منفصلين عن الواقع، واقتصر حصاد عقود من التصحُّر السياسي على معارضات محطَّمة ومتعثِّرة.

– عدم وجود أساليب عمل ديمقراطية داخل الأحزاب والتجمعات التقليدية المعارضة، ما يفسر، ولو جزئيًا، صعوبة الارتقاء بالعمل من الفردنة إلى المأسسة؛ فبقيت التجمعات السياسية مجرد اجتماع لأفراد مستقلين، أو ملحقين بزعيم أو بجهة ما.

 

-عدم وعي عمق التطورات السياسية التي حصلت في القاع المجتمعي السوري، بعد اندلاع التظاهرات، والتي جعلت من المعارضة التقليدية وتشكيلاتها مجرد هياكل من الماضي.

-الاستخفاف بقدرات الشباب القيادية، ونقل أمراض المعارضة إليهم، مثلما حدث في محاولة السيطرة على عمل التنسيقيات.

لم تستطع المعارضة التواصل مع الشارع، من منطلق إرشاده والحيلولة دون انجرافه تحت مختلف المؤثرات غير الوطنية، ربما بسبب وجود فجوة جيلية مهمة؛ أي: غياب جيل الوسط (40 – 50 سنة) الذي عاش العقود العجاف سياسيًا في سورية.

 

-لم تعمل المعارضة على فضح المتاجرين بالدم السوري في الخارج، الذين استغلوا الثائرين لغايات استعراضية، وركبوا موجة الثورة.

-لم يكن الهدف وحدة المعارضة تنظيميًا، إنّما تنسيق الجهود وتوحيدها في ما يتعلق بالمسائل الوطنية ككل؛ مثل: تحديد الخيارات والأولويات، والتحضير للمرحلة الانتقالية.

-في بداية الحراك، كان التنافس بين المعارضين يقوم على نغمة ذمِّ النظام وشتمه، أكثر من القيام بجهد تحليلي جدّي لبنيته ونقاط قوته وضعفه؛ فكان من حسن حظ النظام وجود كثير من هؤلاء.

 

– في ظروف اشتدَّ فيها القمع، وصعُبت فيها معرفة أحجام التمثيل السياسي؛ نظرًا لغياب الآليات الديمقراطية الانتخابية، وكثرة المدَّعين والانتهازيين، استمر التخبُّط على حاله دون أمل يُذكر في التركيز على ما يَجمع لا على ما يُفرِّق.

– عدم القدرة على ردم الهوّة بين المثقف- السياسي، وبين الناس العاديين، فتمّ حصار المتظاهرين بين النظام والمعارضين، مثلما كان المعارضون قبل الثورة محاصرين بين النظام والأوساط الشعبية المكبّلة بالخوف، والغارقة في اجترار ماضيها.

 

وهكذا…

لم يكن المثقف السياسي “غرامشيًا”  في علاقته مع الجماهير، التي كان “غرامشيّوها” دعاة دينيون ومشايخ استفادوا من غربة عامة الناس، واستلابها؛ ليطفوا على سطح مستنقع الاستبداد الآسن.

بعد أكثر من نصف سنة على اندلاع الانتفاضة الشعبية في سورية، ظهرت على الساحة السورية قوتان سياسيتان: هما (المجلس الوطني) و(هيئة التنسيق الوطنية). تابع العالم الحالة المُزرية للمعارضة، ولم يعلِّق الآمال عليها إلا بما يخدم مصالحه، كما لم يهمه أنْ يدعوه (المجلس الوطني) إلى التدخل، أو تقف هيئة التنسيق ضدّ هذا التدخل!

استفاد (المجلس الوطني) من الدعم الدولي؛ ليحتكر التمثيل السياسي لنفسه، رافضًا التعاون مع باقي طيف المعارضة، وباع أوهامًا ومواقف، دفع الشارع دمه ثمنًا غاليًا لها، ولم يقم بمراجعة سياساته يومًا، كذلك لم تستطع (هيئة التنسيق) مجاراة المجلس في ركوب موجة الثورة، خاصة مع تزايد الميل إلى “التطرُّف والأسلمة”.

ولأنّ سمة العقم السياسي ملازمة لبنية هذين التشكيلين، فهما يسيران نحو اضمحلالهما المؤكد، بانتظار أن ينقشع غبار الحرب، ويفرز الواقع قوىً جديدة كامنة في قلب إرادة التغيير الحاصلة في سورية منذ شهر آذار/ مارس 2011.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق