أدب وفنون

Anti مُنـدس أصل الحكاية

أخيرًا، أشرقت الشمس.

نهض المواطن المناضل الطهريّ الموضوعي المتواضع من فراشه الفقير، تعتلي وجهه سمات الرضا والحمد والتسليم، فتحَ كوّة أقرب ما تكون إلى ثقب في الجدار أسماه نافذة، نظر إلى السماء مبتسمًا، وردد الشعار “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، ثم تمتم “الله يعطينا خير ها النهار”.

 

شقّ المواطن المناضل الطهريّ الموضوعي المتواضع طريقه نحو المطبخ، في مسيرة طويلة شائكة، عبرَ خلالها زواريب منزله المستطيل المائل يمينًا ويسارًا صعودًا وهبوطًا؛ متجاوزًا كل المعوقات الجغرافية لتضاريس المكان المعقّدة الذي شيّد على عجل كونه بني تهريبًا، في وقفة العيد الكبير.

وصل المواطن إلى المطبخ، بعزم وتصميم، وقف أمام براد الـ “بردى” الشامخ كالطود، لحظات، ثم فتح باب البراد بجرأة ورباطة جأش، حاله حال كل المواطنين الشرفاء، مرددًا “سلام من صبا بردى أرقّ     ودمعٌ لا يكفكف يا دمشق”.

 

أجهش المواطن الطاهر بالبكاء، فالنسمة الباردة لفحته، والنور الساطع كالحقيقة أبهره، والبياض الطاغي -لجوف براد الـ “بردى”- داعب شغاف قلبه الرقيق، وأيقظ في نفسه تداعيًا حرًا لذكريات ساقت عوالم روحه -الطاهرة المرهفة- إلى زمن مناسبة قصيدة أمير الشعراء.

 

كفكفَ المواطن الموضوعيُّ الدمع، ومسح مخاطه عن شفته العلويّة بكبرياء، ثم تناول كسرة خبز تَرك لها مساحة شاسعة رحبة في براد الـ “بردى”، إيمانًا منه بالحرية.

أنهى المواطن المتواضع فطوره بسلام، شكر المولى: “الحمد لله، من رضي عاش”.

 

بالطبع، تابع المواطن الوطنيُّ المناضل الطهريّ الموضوعي المسيرة بتفاؤل وأمل، حاملًا مشعل النور الذي أضاء دربه بعد الانقطاع المتوقع دائمًا لـ (تحيّة كريوكا)؛ الأمر الذي جعل منزله معتمًا كالقبر، وصل إلى مسمار الملابس بسلام، وبدأ -دونما إبطاء- في إنجاز خطوة ارتداء ثياب العمل، منشدًا بحماسة تعينه على ثقل المهمة، وترفده بالعزيمة المطلوبة لإتمامها “سورية يا حبيبتي أعدت لي كرامتي أعدت لي هويتي”، فعلا تكللت العملية بالنجاح. نظر إلى نفسه بالمرآة مستمتعًا فخورًا بما أنجز وحقق… لحظة!! “شو هاد؟!”، انتبه المواطن المناضل بلمحة خاطفة، -وهو اليقظ اللمّاح حاضر البديهة- إلى خلل حرج في ياقة قميصه؛ على الفور وبلا تهاون أو تكاسل، وبعيدًا عن كل أشكال البيروقراطية، وبكامل المسؤولية الوطنية والقرار الحر اللامركزي، أخذ زمام المبادرة بنفسه -دون العودة إلى أية جهة مختصة- وبدأ عملية الإصلاح. دأب -وبجهد منقطع النظير- على تفكيك ربطة عنقه، وحل عقدها المتراكمة، أمسك بطرفها وسحبها بمنتهى الشجاعة، أعاد إصلاح الياقة بحركة تصحيحية واحدة، وعندما نظر إلى ساعته، اكتشف احتمال تأخره عن عمله، ولضيق الوقت، وحرصًا منه على المصلحة العامة، رمى ربطة العنق جانبًا، على أن يعاود إصلاحها في الزمان والمكان المناسبين، وكي لا ينسى، قام بإدراج هذا الهدف على جدول أعماله، وزيادة في الحرص قرّر وبمجرد وصوله مكان عمله تشكيل لجنة خاصة؛ لمتابعة الموضوع ذي الصلة. أكمل المواطن المتواضع مسيرته -وهو الحذر الحريص اليقظ- وصولًا إلى باب المنزل، حيث ركن حذاءه قبل أن يخرج. توقع عودة (تحية كريوكا) في أي لحظة: راقصةً متراقصةً مهزوزةً مهتزّةً، بترددات مختلفة ارتفاعًا وهبوطًا، ما من شأنه أن يضرب براد الـ “بردى” –خاصته- بالصميم، فبادر، وبمنتهى الجرأة والصراحة والشفافية، معتمدًا على مرجعيته الذاتية الوطنية الخالصة، ومن دون أي تدخل خارجي، وقطع الطريق على (تحية كريوكا) بفصله القاطع الرئيس للمنزل كله… تجهّم، ردد الشعار مرة ثانية، تبسّم، توكّل وخرج.

 

استقل “السيرفيس” مع عدد من الشرفاء أمثاله، انطلقوا مطروبين بموّال مواطن مناضل مسؤول شرس، صدحت بصوته “بافلات” راديو “السيرفيس” مندفعًا مدافعًا بحجج مدفعية دامغة؛ وتفاصيل بيّنة جليّة وأسباب واضحة، لا تقبل الشك أو الريبة، بصوته الحر وحسب، يدرأ عن البلد هجمة همجية محبوكة مسبوكة مطبوخة وموجهة، لضرب القيم الإنسانية، والأهداف القومية، واللحمة الوطنية، والمسيرة الإصلاحية، والتعايش السلمي والحياة الاجتماعية، فضلًا عن… البنية التحتيّة.

 

تمامًا عند هذا المنعطف، وفي هذه اللحظة التاريخية، وتحديدًا عند عبارة البنية التحتيّة، هبط “السيرفيس” في خندق بمنتصف الطريق؛ حاول السائق الانعطاف والهرب من تلّة إسمنتية ناتئة فاجأته، على الرغم من وجودها منذ ما يربو على الخمسين عامًا، لكن السائق كان مواطنًا مقصرًا، قليل المعرفة، ضعيف الانتماء، لم يستطع التحليق والطيران أو التسامي والإرتقاء فوق المعوقات والتحديات المطروحة أمامه، ولأنه مهمِل، ضعيف المبادرة، رجعي، مغرّر به، لم يستبدل راديو “السيرفيس” العادي المتخلف براديو “ديجتل” حديث الطراز متوافق مع متطلبات المرحلة وما تقتضيه من تطوير وتحديث، فكانت الطامّة الكبرى: من شدّة السقطة وعزم الارتطام، انزلقت إبرة موجّه ترددات الراديو لتلتقط إحدى ترددات الإذاعات العميلة التي صدح -عبر أثيرها- بصوت وغد مشبوه مُتآمر، يبرطم بكلمات ومصطلحات مغرضة معيبة تخدش الحياء والانتماء، تشوه العقول وتنال من عزيمة الأمة. مفاهيم شيطانية عجيبة ومصطلحات مشوّهة غريبة، “لا حول ولا قوة إلا بالله”، هبط “السيرفيس” فهبطت معه أحشاء المواطنين المعويّة -الغليظة منها والرفيعة- والقنوات الصفراوية والحمراوية والبرتقالية، والمرارة والبنكرياس؛ انزلقت الإبرة، فانزلقت معها الفقرات العجزية والقطنية وانمعست الغضاريف المفصلية وقُرطت الألسنة، وتكسّر بعض ما تبقّى من أسنان المواطنين الصالحين الشرفاء الطيبين.

 

لكن وعلى الرغم من الألم وجلل المُصاب، صرخ المواطنون المناضلون الطهريون الطاهرون الموضوعيون المتواضعون الشرفاء بصوت متحشرج متألم مخنوق، لكنه واثق: “تسقط المؤامرة الكونية”.

في المساء شعر المواطن بالألم والإعياء، تشوّشت أفكاره، لم يستطع تحديد مركز الألم بالضبط، لم يكن قادرًا على معرفة سبب ما حل به؟! هل هي سقطة السيرفيس بالخندق، أم السموم التي تجرعتها أذناه من المحطة العميلة المغرضة؟! اختلط عليه الأمر.

 

راح يكرع ما تيسّر من أعشاب طبية مختلفة، ثم عمد إلى المشروبات الروحية وبعدها أخذ يقرض مسكنات الألم المتداولة، دون جدوى. حاول الالتفاف على الوجع، جرّب التغاضي عنه وتناسيه مرددًا -بصوت جهوري واضح- كل الشعارات القومية والمنطلقات النظرية للأحزاب التقدمية؛ لجأ إلى الأغاني الوطنية الحماسية الملتهبة، ثم نهض واعتمر قبعة وراح يمشي نظامًا منضمًا، وسافر بذاكرته إلى المهرجانات القطرية، والاحتفالات المحلية، والأعياد الرسمية والمؤتمرات، والتدّشينات والمناسبات… لا جدوى، كان الألم شديدًا.

 

لم يعد للمواطن المناضل حيلة، عليه مواجهة الطبيب. عزم وتوكّل، وقصد –لذلك- أشهر طبيب في البلاد كي يضمن الخلاص من هذه الآلام التي غزته روحًا وجسدًا.

خرج من بيته ليجد طابورًا من المواطنين الشرفاء المعلولين، يصطفّون في رتل امتد على طول مسيرته، من باب منزله حتى باب عيادة الطبيب، ولأنه مواطن محترم، تسامى فوق ألمه، صبر واحتسب، وعاد إلى آخر الطابور منتظرًا دوره بعزّة نفس.

طرق باب الطبيب ودخل.

 

لم ينبس الموجوع ببنت شفة، أدهشته هالة الطبيب: حضور مهيب، حكمة جليّة، فيض من نور إلهي، ابتسم الطبيب ابتسامة العارف، وقال: حتى أنت يا بروتس؟

تفاجأ المواطن المُتألمُ بقدرة الطبيب الخارقة، وسرعته على تحديد المشكلة، على الرغم من أن اسمه كان المناضل الطهري الطاهر الموضوعي المتواضع الشريف المحترم، وليس بروتس، لكن لا بأس، عدّ تشابه الأسماء هنا تفصيل سخيف. أضاف الطبيب: “ممممم، منّدس”.

 

تعوّذ المواطن بالله، من أين أتاه فايروس المندس اللعين؟!!

أوضح له الطبيب -بكثير من الدقة والموضوعية والهدوء- وبعد البصيرة ونفاذ الرؤية، أسباب هذه الجائحة التي أصابت البلاد وألمّت بالعباد المناضلين الطهريين الطاهرين الموضوعيين المتواضعين الشرفاء.

 

“والحل؟!”

Anti” مُندس” قالها الطبيب ونهض، مبتسمًا هادئًا متيقنًا من صحة العلاج.

“فتاح تمّك”

انصاع المواطن المبهور شاكرًا ممتنًا.

دسّ الطبيب له مسدسًا في فمه، وقدم له “كبسولة” صغيرة من الرصاص الحي:

“فيها الشفا”.

فعلًا شعر المواطن المناضل الطهري الطاهر الموضوعي المتواضع الشريف براحة لم يكن ليحلم بها مطلقًا، تألقت روحه واسترخت نفسه، وذهب الألم بلا رجعة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق