أدب وفنون

لو أن للبيت لسانًا

يقول المثل الشعبي: “البيوت عامرة بأصحابها”. نعم، هي كذلك حينما تضجّ بالحياة في حضورهم؛ لأنها في غيابهم تصبح هياكل فارغة موحشة، ونهبًا للتآكل والصدأ والعناكب.

فقدت بيتي منذ أربع سنوات، بسبب الحرب المجنونة الدائرة في سورية؛ تنقّلت من مكان إلى آخر، داخل سورية وخارجها، لكن كل تلك الأمكنة لا تعني لي شيئًا، لأنها لا تنتمي إليّ، ولا أنتمي إليها.

البيت ليس مجرّد جدران، إنه ذاكرة، وخصوصية، ومساحة للحرية. إنه سياج أمان، والمكان الأكثر حميمية. إنه الحجاب الساتر لعيوبنا ونقصاننا وخلافاتنا.

 

     البيوت أسرار

كنت أحرص حينما أعود إلى بيتي -بعد يوم عمل طويل حافل أبضغوط شتى- على إغلاق النوافذ وإرخاء الستائر؛ كي أفصل نفسي عن ضجيج الخارج وغباره؛ عندئذ أشعر بالراحة والاسترخاء والسلام الداخلي، واغتسل من تعب النهار وضغوطه.

أذكر -حينما كنا أطفالًا- كيف نقضي أوقاتًا ممتعة باللعب واللهو، في أثناء رحلة، أو نزهة، أو زيارة لأحد الأقارب، لكن أجمل اللحظات -التي تفوق متعتها كل ما عداها- كانت لحظة عودتنا إلى البيت متعبين متهالكين، كنت واخوتي نستلقي –بأي شكل– على أريكة هنا أو هناك كيفما اتفق، ونغرق في نوم عميق ممتع بعد شقاوة النهار، لكن أوامر الأم الصارمة تجبرنا على الاغتسال وارتداء المنامات، وبعد أخذ وردّ، كنا نذعن لأوامرها؛ لنكتشف بعد الحمّام الساخن متعة إضافية، لا تضاهيها أي متعة في العالم.

 

البيوت ذاكرة مليئة بالشجن، والأفراح، والأحزان، ولقاء الأحبة والأصدقاء، والأحداث…، يقول المثل الشعبي: “لو أن لهذه الجدران لسان يحكي” لو أنها -فعلًا- تحكي، لما انتهت الحكايات. هي الشاهد على حبو أطفالنا، على خطواتهم الأولى ورنين ضحكاتهم وألعابهم وأعياد ميلادهم. جدران بيتي هي الشاهد على فقدان أعز الناس إلى قلبي: والدي ووالدتي وشقيقتي الشابة، هي التي احتضنت أحزاني ولملمت جراح روحي، هي الشاهد على انتهاك خصوصية حياتي، حينما طوّق رجال الأمن بيتي، واعتقلوني أمام دموع أمي وأحزان والدي وصمته، هي الشاهد على لحظة الفرح الغامر العارم بلهفة الأهل والأصدقاء الذين توافدوا إلى البيت يوم الإفراج عني، بُعيد سنوات عجاف من الاعتقال في أقبية العتمة.

 

البيوت ليست مجرّد جدران، البيوت رائحة؛ رائحة غسيل الأم ومطبخها ورائحة الطهر والنظافة والكرم والحميّة واللهفة والحنوّ…، رائحة كعك العيد وقهوة الصباح وصوت فيروز، رائحة “التوتة” في فناء الدار وظلالها، رائحة الفلّ والياسمين التي تسقيها الأمهات بماء العيون الزلال.

كيف لي أن أنسى دروب البيت، باب المنزل، تلويحة ابنة الجيران، حكايات الحب البريئة، والهمسات.

 

قد تتعرّض البيوت للكوارث الطبيعية، كالفيضانات، والحرائق، والعواصف، وقد تهدم فوق رؤوس ساكنيها، لكن على الرغم من مأسوية حوادث كهذه، فهي نوع من الأقدار، وليست من فعل البشر، لكن ما الذي يمكن قوله، حينما تُهدم مدن وبلدات وقرى بأكملها بقذائف الطائرات والصواريخ، وكل أنواع الأسلحة الثقيلة بأيدي جيش البلاد “الوطني” الذي من المفترض أن يكون حاميها؟!

 

ما الذي يمكن قوله حينما تُنتهك حرمة البيوت والأعراض، ويهجّر ملايين البشر من بيوتهم قسرًا بأيدي الأخوة – الأعداء؟!

ما الذي يمكن قوله حينما تُقتلع -بلا رحمة- من بيتك، من جذورك، من سياج أمانك، من ذاكرة طفولتك، من رائحة أمك ومكان أسرارك؟!

ما الذي يمكن قوله -بعد خمس سنوات من سيول الدم والحرائق- في بلد اسمه سورية، لم يترك فيه نظام الاستبداد بيتًا إلاّ وحرقه أو انتهك حرمته، إن لم يكن بالهدم والموت فبالاعتقال أو التهجير أو الإذلال…؟!

 

فقدت بيتي. فقدت مكتبتي ولوحاتي، وتذكاراتي، وصور عائلتي…، وكل الأشياء الحميمة التي جمعتها طوال حياتي، لكن كل ذلك يهون أمام فقدان الأحبة: ابن شقيقي الشاب، وابنة شقيقتي وأطفالها الثلاثة، الذين تحولوا إلى أشلاء بفعل قذيفة عمياء سقطت فوق بيتهم.

بدأت أدرك أو أتفهم -لاحقًا- قصة قريبي التي بدت لي -في حينه- أنها غير عقلانية، أصرّ قريبي الذي كدح سنوات طويلة في الخليج، من أجل أن يحقق حلمه في بناء بيته كما يشتهي، وفعلًا بنى بيت حلمه -كما يرغب- في إحدى ضواحي دمشق. لم يهنأ طويلًا، لأن الحرب المجنونة بدأت بعد سنتين من بناء بيته، الذي أضحى في دائرة الخطر. استطاع الرجل نقل زوجته وأطفاله إلى مكان آمن، إلاّ أنه ظلّ قلقًا على بيته، لا يهدأ له بال. كل يوم يقول: أريد أن أعود لأتفقد بيتي؛ كنا نحذره، ونضغط عليه كي يصرف النظر عن تلك المغامرة الخطرة، لكنه أصرّ على رأيه، ولم نستطع منعه؛ ذهب وانقطعت أخباره، بعد عدة أيام غامر قريب آخر في البحث عنه؛ فوجد جثته منتفخة في مدخل بيته. جرت تلك الحادثة في بداية الأزمة، حيث كانت تُغلق الطرق –حينًا- وتُفتح حينًا آخر.

 

ثمة حادثة أخرى جرت مع قريب آخر لي؛ رجل مسن وزوجته مقعدة، يسكن في منطقة القابون مع ابنه الشاب وزوجته الحامل وأطفالهما، كانت الأحداث -أيضًا- في بداياتها. يقوم المتظاهرون السلميون بالتجمع والاحتجاج، فيفرقهم رجال الأمن والشبّيحة بالرصاص الحيّ.

شعر الابن الشاب بخطورة الأحداث، فاقترح على والده مغادرة بيتهم إلى مكان آمن؛ ردّ العجوز: خذ يا ابني زوجتك وأطفالك واذهب، أنا ووالدتك عشنا في هذا البيت طوال حياتنا، ولن أغادره إلاّ إلى القبر، باءت كل محاولات الابن في إقناع والده بالفشل؛ فنقل زوجته وأطفاله إلى مكان آمن، لكنه لم يستطع ترك والده العجوز، ووالدته المقعدة وحدهما، عاد كي يرعاهما، لكن الجيش قام -بعد عدة أيام- بتمشيط المنطقة، وكانت النتيجة طلقة في رأس الشاب أردته قتيلًا، وعدة طلقات مزقت جسد العجوز الذي هرع لإنقاذ ابنه، فكوموه فوقه أمام ناظري المرأة المقعدة التي تركوها تلوك فجيعتها وحيدةً مع جثتي ابنها وزوجها.

 

لو أن لجدران البيوت لسان يحكي… لما انتهت الحكايات!!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق