هموم ثقافية

فن الكاريكاتير العربي الدور والوظيفة

مما لا شك فيه أن فن الكاريكاتير العربي، فن متناسل من واحة التعلم المستعار وماكينة الانتقال بعدوى التفاعل المهني والبصري مع ثقافة وفنون الآخر في الضفة الإنسانية الموازية والمقابلة، المتمثلة بالمجتمعات الغربية والأوروبية خصوصًا. ميدانه وحاضنته الدائمة الصحافة المقروءة في بداية الأمر، والمرئية التلفزيونية والإلكترونية في المرحلة الحالية. كان أصحاب القرار -في مهنة الصحافة- يسعون إلى ابتكار مساحات بصرية وطرق مسلية ترفيهية ومروجة لبضاعتهم، وتحقق لصحيفتهم مزيدًا من القراء عبر زوايا محمولة بالمتعة البصرية “الكاريكاتير” يرسمها فنانون محترفون في سياق حالة معبرة وموازية لمقولات السرد الشعبي “النكتة المحكية” في مواقف ورسوم هزلية، غايتها الأولى والنهائية التسلية وإضحاك جمهور القراءة. وقد كانت الصحافة المصرية -سباقة في هذا الاتجاه- وشغلت رسومها المضحكة طيفًا واسعًا في جميع الصحف والمجلات الدورية العربية، وماثلها في هذا كل من سورية ولبنان وفلسطين.

 

لكن مع تطور الأحداث السياسية والاجتماعية والمتغيرات العاصفة في ارجاء الوطن العربي كافة، ومع نهاية منتصف العقد الخامس من القرن العشرين، وخصوصًا تلك الأحداث المرافقة لنكبة فلسطين وتشريد الشعب العربي الفلسطيني عام 1948، واحتدام دورة الصراع العربي الصهيوني في حروب متعاقبة؛ جعلت كل الأمور الحياتية للشعب العربي مرتهنة ومندمجة في متطلبات الصراع والمواجهة، في كل تفاصيل الحياة اليومية، وعلى كل الجبهات.

 

وتعدّ الفنون التشكيلية -وفن الكاريكاتير تحديدًا- في مقدمة الأسلحة الثقافية الفاعلة والمشاركة في هذا الميدان؛ منتقلة من حيز شكلي بصري عبثي -غايته التسلية والاضحاك- الى اتخاذ موقف جاد هدفه المساهمة في معركة التصدي للمشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية عمومًا؛ محملًا برياح التغيير والإيديولوجية والتعبير عن السياسات المرسومة في هذه المطبوعة العربية أو تلك. وقد أمسى -مع رياح التغيير الحاصلة في دول الربيع العربي- أكثر جدوى في كشف المستور داخل السياسات الدولية وطبيعة الأنظمة العربية العميلة والمُصنعة في أروقة المخابرات الأميركية والصهيونية والروسية والغربية متعددة الجنسيات، وغدا دور رسام الكاريكاتير -ما قبل الربيع العربي وما بعده- الأداة البصرية الفاعلة والمعبرة عن تراجيديا المواقف المعايشة والمرافقة لدروب الآلام العربية وشعوبها المظلومة والمكلومة والمُهجرة في دول اللجوء المتنوعة، ولسان حال الموقف اليومي، المُعبر عن طبيعة الحكام القتلة والعبيد وأسيادهم من أميركان وصهاينة وعرب متصهينين.

 

لقد كان فن الكاريكاتير العربي مشحونًا -على الدوام- بدلالات ورموز وخلفيات فكرية متوالدة من قصص الأولين، عبر حكايات ألف ليلة وليلة، وجعبة الجاحظ الثقافية، وخيال الظل، وسهرات الحكواتي؛ معانقًا لإشكاليات الواقع العربي المأزوم والمحكوم بقدر الاستعمار والصهيونية والقهر الطبقي والعولمة والأمركة؛ معتمدًا على قدرة رسامي الكاريكاتير العرب في مواجهة أقدارهم وصراحتهم، التي كلفت بعضهم حياته وحريته.

 

لكن فن الكاريكاتير -في رحاب الربيع العربي- أخذ وجهة مُغايرة معنية برصد الواقع في جميع تجليات الألم، وتوصيفًا لخراب البلدان وإراقة دماء الشعوب وفضحًا وتعرية كاملة ومباشرة لجميع مكونات الظلم والقهر والاستبداد، المتمثل في أنظمة الطغاة العرب -من المحيط إلى الخليج- وبخاصة النظام السوري؛ وبأدوات وتقنيات بسيطة، وأفكار متناسلة من روح الأحداث ولسان حالها السردي.

 

يمكن للباحث ان يصنف فنون الكاريكاتير العربية في اتجاهين رئيسين:

الأول، من حيث الموضوعات المطروحة التي يتناولها الرسامون بأبعادها الإنسانية الرمزية والوجودية -ذات الطبيعة الإيديولوجية- التي تعكس حقيقة واقع اجتماعي معين وقضايا سياسية شائكة ومظالم شتى، وتدوين بصري لمفارقات يومية بين مختلف طبقات المجتمع العربي وفئاته ونخبه وعامته، ومواقفهم ودورهم في هذه المفارقات، وما تحمله الرسوم من هموم ومشكلات معايشة ومنظورة في جميع أرجاء الوطن العربي –عمومًا- وفي كل حيز جغرافي وإقليمي خصوصًا.

 

الثاني: من حيث المعالجة التقنية وآليات الحركة المرسومة والمساحات الملونة المنتشرة على سطوح الورق، التي لا تخرج عن احبار الرسم والطباعة التقليدية والرسوم المنفذة بواسطة برامج الحاسب -متعددة الأغراض- وتعكس روحية وأسلوب كل فنان، بما يحمله من خصوصية البحث والتجريب والتأليف ومساحة افكاره وحريته وتفرده في ميدانه.

 

وكما سبق وأشرنا، إلى أن الصحافة بكل أنماطها وأنواعها المكتوبة والمرئية والإلكترونية، هي مجاله الحيوي، لا حياة ولا انتشار ولا فعالية لفن الكاريكاتير خارج أبواب الصحافة وصفحاتها -متنوعة المقاييس- والإخراج والسياسات المهنية والفنية والأيديولوجية. فالقضية الفلسطينية ومسألة الصراع العربي الصهيوني مثلًا، كانت وما زالت هي الشغل الشاغل للأمة العربية؛ شعوبًا وحكامًا ومؤسسات مدنية وأهلية، مفتونة بشعارات حزبية وعربية كبرى، كل بحسب رؤيته السياسية والمطلبية. وقد كان لفن الكاريكاتير الواجهة الملائمة للتعبير عنها، وقد أنيط به -وما يزال- حمل لوائها، ليلعب دورًا ووظيفة تحريضية، تعمل على رصد الأحداث والمواقف وتعريتها بعين الفنان البصيرة والناقدة، وانعكاسًا طبيعيًا معبرًا -بشكل ما أو بآخر- عن هموم الشعب ومتطلباته وأحلامه، وتجسيدها في حلول شكلية بصرية مفهومة الخطوط والملونات والكلمات، بوصف أن فن الكاريكاتير -في عالمنا العربي- هو فن الضرورة الاجتماعية والمواقف السياسية المعبرة عنه بصريًا، ولكن بتبسيط شكلي واختزال ملحوظين، وبوابة مفتوحة على حروب الكلام والشعارات الكبيرة والدخول في مساحة الكوميديات “السوداء” النقدية والمنتقدة لسلوك القادة والحكام وسوء أفعالهم، والمبررة لتذمر الجماهير وحركة الشعوب في مطالبها الحقة في الحرية والعيش الكريم بآن معًا، نجد في واحة رسومها اختصارًا للزمن والمواقف وخلفيات الدول والأفراد والشخصيات، وكشفًا رمزيًا لتبعيتهم وميولهم السياسية الحزبية والطبقية الوطنية أو القومية أو العالمية.

 

البعد الهزلي في فن الكاريكاتير العربي

لقد كانت بدايات نشوء فن الكاريكاتير العربي في مصر، وحاملًا ثقافيًا لسرد بصري مُضاف إلى واحة النثر المكتوب، وسعى رسامو الكاريكاتير المصريون -من خلال خفة الدم والأهزوجة- إلى  نقل الحكاية المصرية “الحدوتة”، المزروعة في المزاج العام الشعبي المصري في بدهيته وفطرته اللافتة، كتعبير مباشر عن مزاج الشارع المتناقل عبر الأروقة والأزقة والأحياء والسهرات، من المحكي الشفهي -في الأماكن العامة- الى المسرود البصري عبر خطوط الفنانين التشكيليين، ومدى تفجر قرائحهم في تصوير تلك النوادر والحكايات بطريقة فنية مغايرة لمألوف الرسم الأكاديمي. وكان الهم اليومي ومشكلات الأسرة في كسب قوت العيال والزواج وصراع الطبقات ما بين الأغنياء والفقراء وأبناء المدن والأرياف -لاسيما الصعيد المصري- ومسالك أحلام اليقظة وحديث النساء، من أكثر الموضوعات الساخنة التي كانت تلقى رواجًا مع أذواق قراء الصحافة. وانتقلت روحية الفكاهة البصرية -هذه- إلى جميع المناطق العربية وغمرت الصفحات الداخلية والخارجية للصحف والمجلات؛ لتكون الرسوم الكاريكاتيرية لسان حال الشارع العربي في خلفياته الوطنية والقومية والعفوية والأيديولوجية الحاكمة والمحكومة، ووسيطًا تعبيريًا بسيطًا وسهلًا ومفهومًا من عامة الناس وخاصتهم، وعاكسًا طبيعيًا لمشاغل الناس واهتمامهم ومكنوناتهم الحياتية ومعاناتهم اليومية؛ خرج من طور الدعابة والتسلية إلى طور بناء الفكرة والموقف من الأحداث المحلية والعربية والعالمية.

 

البعد الاجتماعي والانساني والوطني والقومي

يعدّ فن الكاريكاتير من مكونات الصحيفة اليومية العربية الأساسية ومن أبوابها المهمة حتى أمسى -في بعضها- بمنزلة افتتاحية القراء المحببة، ومن خلاله يمكن رصد حركة البلد الاجتماعية والسياسية، ليتحول بذلك إلى قيمة بصرية مضافة؛ لنبش ذاكرة الناس ومواقفهم من الحدث، ويعكس حقيقة التوجه السياسي والأيديولوجي لهذه الدولة العربية أو تلك. وإن كانت القضايا الكبرى الإنسانية في -سياقها العالمي- والمسائل القومية العربية مازالت تحتل مساحة معقولة من ابتكارات رسامي الكاريكاتير العرب، غير أن الهم الوطني والخصوصية المحلية القطرية بدأت تحل مكان تلك القضايا الكبرى في محطات جغرافية وسياسية تشغل جميع أقطار المعمورة، وتلبس رسوم الفنانين فيها دثار الهم الاجتماعي اليومي، من متطلبات وأمن وأمان ورغبات. هذا الأمر جعل رسامي الكاريكاتير في كل قطر عربي في منافسة مع أقرانهم، في ابتكار أدوات وموضوعات تعبير تمكنهم من الاحتفاظ بمكانتهم في فنهم وعملهم؛ ما أوقعهم في مصيدة اجترار الموضوعات المطروقة والنقل -غير المبرر- لرسوم مأخوذة من مساحة الفن العالمي، ولا سيما تلك المتاحة في وقتنا الراهن عبر تكنولوجيا المعلومات وشبكات الإنترنت على وجه التخصيص، ولا تخرج موضوعات وأساليب الفنانين عن المساحة الأيديولوجية الممنوحة وفق هيئة التحرير وسياسة المجلة أو الجريدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق