تحقيقات وتقارير سياسية

حرب النفوذ في الحسكة، مواطنون موتى دون رصاص

تستمر الاشتباكات العنيفة بين قوات النظام السوري والمسلحين الموالين له، من جهة، وبين تشكيل “الآسايش”، أو ما يعرف بـ “قوات الأمن الكرديّة” التابعة للإدارة الذاتية، من جهة أخرى، في مدينة الحسكة بالشمال الشرقي من سورية، وعلى الرغم من تدخلات شيوخ مجالس العشائر العربية في المنطقة؛ لإيقاف النزاع العسكري، إلا أن الأوضاع لا زالت على ما هي عليه من قصف، تنفّذه قوات الأسد على المدنيين، وعلى بعض المواقع الأمنيَّة التابعة لـلـ “آسايش”، في عمق مدينة الحسكة، إضافة إلى استخدام كل أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة من الطرفين، وللمرّة الأولى منذ اندلاع الثورة السورية، قام الطيران الحربي التابع لقوات الأسد بتنفيذ غارات جويَّة، قصف خلالها مقرّات أمنية كردية، إضافة إلى قصفه أبنية سكنيَّة تابعة للمدنيين، الأمر الذي تسبّب بنزوح الآلاف من المواطنين السوريين، نحو مدن رأس العين وتل تمر والقامشلي وعامودا، في موجة نزوح هي الأكبر بالنسبة لمدينة الحسكة خلال عمر الثورة السوريَّة.

 

نزوح متواصل

بلغ عدد النازحين -بحسب الإحصاءات الأخيرة لمنظمات المجتمع المدني والإغاثة العاملة في المنطقة- ما يفوق الـ 4 آلاف نازح، ومن مختلف مكوّنات المنطقة، متوزعين على مناطق الجزيرة السوريَّة كافة، هربًا من النزاع الدّائر، وفي ظلّ الإمكانات القليلة تدخلّت المنظمات المدنية لاحتواء الحالة، بتوزيع المتضررين على المدارس والأبنية العامة في مدن المحافظة، وتقديم يد العون لهم، ويقول حسين عمر الذي نزح من مدينة الحسكة نحو مدينة عامودا، على بعد 80 كم لـ (جيرون): “أنا أقطن بالقرب من سوق المدينة، حيث الاشتباكات كانت على أشدّها هناك، وكان الحيّ يتعرّض لقصف مدفعي من قوات الأسد المتمركزة على جبل كوكب، فضلًا عن القصف الجوي، وحرب الشوارع الدّائرة الآن، اضطررت للهرب حرصًا على سلامتي وسلامة عائلتي التي تتكوّن من أطفال صغار، وليس بمقدورنا الاستمرار في البقاء، خشية القذائف المتساقطة من أطراف النزاع”، ويتابع: “استقبلتنا المنظمات الإغاثيَّة في المنطقة، وحاولت بكل السبل تقديم يد المساعدة إلينا؛ كي نتدبّر أمورنا ريثما تتجلى المسألة بوضوح أكثر”.

 

وقالت مواطنة في الخمسين من عمرها، فضّلت عدم ذكر اسمها: “لقد تدمّر منزلي بالكامل من جرّاء قصف الطيران السوري؛ بسبب قرب المنزل من أماكن الاشتباك الرئيسة في المدينة، وبتّ مشرّدة في الوقت الرّاهن، أبنائي كلهم في الخارج، ولا يستطيعون مساعدتي إلا بالنذر اليسير؛ لسوء أحوال اللاجئين السوريين هناك، وهذه هي المرة الثالثة -على التوالي- التي ننزح فيها من المدينة، وندفع ثمن حرب نفوذ من قبل جهات غير شرعية بالمطلق، تتنازع على الأراضي السوريَّة”، وتتابع باكية: “أرجوكم أوقفوا هذه الحرب، نحن المدنيون ندفع ثمنها وليس أحد آخر، بتّ الآن دون منزل، أو حتّى معيل لي، سوى أولادي الذين يتعذبون وهم يسمعون الأخبار عبر وسائل الإعلام”.

 

عالقون

على الرغم من الأوضاع القاسية التي تعيشها المنطقة الشماليَّة الشرقية في سورية منذ سنواتٍ طويلة، كثُر خلالها انقطاع التيار الكهربائي، وشحت المياه وارتفعت الأسعار، تأتي الحرب -أيضًا- لتقضي على كل الآمال المتبقيَّة، ولا يخفى أن المنظمات الإغاثية ومفوضيَّة اللاجئين، وباقي المنظمات المدنيَّة والجمعيات الخيريَّة تبذل جهدها، محاولةً منها لاحتواء حالات النزوح تلك، وتأمين المستلزمات الضرورية والممكنة للفارّين من النزاع؛ كي يستطيعوا العيش موقّتًا، أو ربما لفترة قصيرة أو طويلة نسبيًّا، ويقول رضا، الذي فقد عائلته بالكامل إثر الاشتباكات: “ماذا تستطيع أن تفعل منظمات الإغاثة بالنسبة لحالتي؟، فقدت عائلتي كلّها في أثناء محاولتنا الفرار من مناطق الاشتباكات الساخنة جدًّا، نجوت وحدي وأتمنّى الآن أن أموت أنا أيضًا؛ لأنّ حياتي وموتي سيَّان وأنا أعيش هذه الكارثة”.

مع اشتداد المعارك في أحياء المدينة المختلفة، ارتأى القسم الأكبر من مواطني المدينة البقاء في منازلهم، والاحتماء بطرق تقليديَّة من آثار الاشتباكات الجارية، وحجم الخطورة، وفق الأنباء الواردة، التي تشير إلى إمكانية التصعيد الأشدّ، الأمر الذي يعرّض حياة المدنيين هناك إلى الخطر، إضافة إلى عدم وجود تشكيلات الدفاع المدني التي من مهمتها إجلاء المواطنين العالقين في أماكن الاشتباك الأكثر سخونة، كما أنّ فقدان المواد الأساسيَّة للحياة اليوميَّة يزيد من خطورة الموقف، ويجعل من هؤلاء المواطنين موتى دون رصاص وفي انتظار النجاة.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق