سورية الآن

الإرهاب حين يحوّل العرس إلى مأتم

لا شك في أن وقع أي تفجير إرهابي على الإحساس الطبيعي، سيكون قاسيًا أينما وقع، فكيف حين يأتي كي يحوّل الفرح إلى مأتم، وفي تركيا وفي مدينة غازي عينتاب تحديدًا، استهدف تفجير كبير صالة أفراح في حارة شعبية، حيث اكتظ عرس شعبي بالحضور من الأعمار كافة، ليوقع أكثر من خمسين قتيلًا ونحو مئة جريح، وبحسب الحكومة التركية، فإن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) هو من يقف وراءه.

 

هذه ليست المرّة الأولى التي يضرب فيها الإرهاب هذه المدينة، فقد تعرّضت مطلع أيار/ مايو الماضي لتفجير عنيف بسيارة مفخخة، استهدف مبنى الأمن العام وسط المدينة، بينما حدثت، خلال السنة الماضية، تفجيرات محدودة بقنابل بسيطة في بعض الأماكن، واستطاعت الشرطة إبطال مفعول قنابل عدة أخرى، في الشوارع العامة، كما اغتيل كل من الصحافي السوري، ناجي الجرف، في كانون أول/ ديسمبر 2015، والمذيع، زاهر الشرقاط، من فضائية “حلب اليوم”، في نيسان/ أبريل 2016، والعمليتان كانتا وسط المدينة، وفي وضح النهار.

 

تستضيف تركيا زهاء 3 ملايين لاجئ سوري، تستوعب مدينة غازي عينتاب حوالى 400 ألف لاجئ منهم، يتوزعون على أحياء ومناطق المدينة كافة، وعدد ليس بقليل منهم بات يعمل ويستثمر في أكثر من مجال، من الخدمات البسيطة إلى التجارة والعقارات، وبعض الصناعات البسيطة، مضافًا إليهم من يعمل في المنظمات السورية المختلفة كموظفين، وهم -كما غيرهم- من السوريين في أماكن اللجوء كلها، باتوا يتوجّسون من أي عملٍ إرهابي، من خلال القلق الذي يسيطر عليهم؛ خوفًا من توجيه أصابع الاتهام إلى أي سوري، ويخشون التضييق عليهم، وعلى حركتهم وأعمالهم، بل وإقامتهم، فعندما تعرّضت مدينة كيليس قبل أشهر لبعض القذائف، كانت ردّة فعل بعض المواطنين الأتراك نحو السوريين عنيفة، وتم التهجّم عليهم، وعلى ممتلكاتهم ومحالهم التجارية وسياراتهم، وتحطيم عدد منها؛ ما استدعى أن توفد الحكومة التركية بعض المسؤولين الحكوميين إلى ولاية كيليس، وعقدوا اجتماعات عدة مع إعلاميين سوريين وفعاليات مختلفة؛ لمحاولة وضع تصوّر يحول دون تكرار الفعل، وردّ الفعل بين الجانبين، بعد أي عمل إرهابي مهما كان نوعه، وبالنتيجة، تمّت السيطرة على الموقف في تلك المدينة.

 

تعرّضت الولايات والمدن التركية -خلال الأشهر الأخيرة- لعدد من الهجمات الإرهابية، كان أشهرها ما جرى في مطار أتاتورك في 28 حزيران/ يونيو الماضي في مدينة إسطنبول، والذي يُعدّ من أكبر المطارات في العالم، وأكثرها ازدحامًا، تلك المدينة السياحية الجميلة والكبيرة، كانت قد تعرضت -أيضًا- في مناطق سياحية مهمة لعدّة هجمات إرهابية، منها الانفجار الذي وقع مطلع العام الحالي في أهم المواقع السياحية، وراح ضحيّته عدد من السيّاح، أغلبهم من الألمان في حي السلطان أحمد، وكان المتهم فيه، بحسب الحكومة التركية، هو تنظيم  الدولة الإسلامية (داعش) أيضًا، كذلك وقع تفجير إرهابي في شارع تقسيم في آذار/ مارس 2016، وهو شارع رئيس للمشاة بإسطنبول، وتفجير آخر استهدف حافلة تقل عناصر شرطة في حزيران/ يونيو هذا الصيف، إضافة إلى عدد آخر من التفجيرات المتفرقة، أكبرها تفجيران قرب محطة القطارات في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، هزا العاصمة أنقرة، وراح ضحيتهما المئات بين قتيل وجريح، وقد اتهمت الحكومة التركية حزب العمال الكردستاني بتدبيره، ثم تفجير آخر ضرب موقفًا للحافلات بساحة “قيزلاي”، وسط المدينة، في آذار/ مارس 2016، سبقه -بأسابيع- تفجير استهدف حافلة عسكرية، كما وقعت تفجيرات وهجمات إرهابية عدة في مدن مختلفة، منها مدينة بورصة شمال غرب تركيا، وأزمير على بحر إيجة غرب تركيا، وعمليات مختلفة في ديار بكر شرق البلاد.

 

لا شك في أن السوريين الذين اكتووا بنار الإرهاب، الذي وفدت عناصره إلى بلادهم من كل حدب وصوب، وتم تأمين كل التسهيلات اللوجستية لوصولهم إلى الأراضي السورية، يدركون ما تعانيه المدن والبلدات والعواصم العالمية من آلام الضربات الإرهابية، فالسوريون، وقبل كل شيء، عانوا من إرهاب دولة منظّم، وتم تجاهل معاناتهم من المجتمع الدولي، وساهمت كل من إيران وروسيا بذلك الإرهاب، وذلك قبل -وبعد- وصول أي تنظيمات أخرى؛ لممارسة الإرهاب على الساحة السورية، وحاول السوريون إيصال رسالتهم إلى العالم حول ذلك، ولكن دون جدوى.

 

الجارة تركيا تدرك -قبل غيرها- ما عاناه السوريون من إرهاب، استهدف كل شيء لديهم من بشر وحجر خلال السنوات المنصرمة من عمر الثورة، بل إن عددًا من المستشفيات التركية لم تبخل باستقبال المصابين القادمين عبر الحدود من داخل سورية؛ لتلقي العلاج، وعلى هذا، فإن كل من يعاني أو عانى من الإرهاب، يعرف تمامًا قيمة الدم والدمع والآلام التي يخلّفها هذا الشيطان الذي تُرك ليكبر، من غير جدّية في محاربته، وأن الناس البسطاء أينما كانت، هم -دائمًا- من يدفعون الثمن، ويقعون ضحيّة تلك السياسات الدولية غير المسؤولة، وللأسف، عندما ثارت بعض شعوبنا العربية لنيل حريّتها من طغمة العسكر الحاكمة، سرعان ما ارتاحت السياسة الدولية من عبء دعمها، حين وصمَت تلك التغيّرات الجذريّة بأنها فعل إرهابي، وليست حركة شعوب تتطلّع إلى الحرية، في وقتٍ كان يتوجّب فيه على المجتمع الدولي أن يعي أن محاولة خلط الأمور ببعضها بعضًا لم تعد تفيد، وأن اللاجئين السوريين في دول العالم هم ضحيّة إرهاب، وقد هربوا بأولادهم وأنفسهم للنجاة من كل ذلك، وهاهم في مدينة غازي عينتاب يشعرون بكل تلك المرارة الني وقعت لإخوانهم في ذلك العرس، تمامًا كما شعروا بكل تلك العمليات الإرهابية السابقة في تركيا وغيرها.

 

لم يعد العالم بحاجة إلى تلك الجملة الممجوجة التي تدعو لتعريف الإرهاب، أو لعقد مؤتمر دولي حول ذلك، بل يحتاج لنيات صادقة في التعاون؛ لحماية الإنسانية من مصير مجهول، بسبب عدم وجود ضامن قانوني وحضاري لمستقبلها، في ضوء هذا الخراب الذي تعيش عليه تلك الغربان؛ فصالة الأفراح التي تحولت إلى مأتم، تشبه -تمامًا- ما تعرضت له الأسر السورية في بيوتها الآمنة، خلال خمس سنوات، والسوريون الذين مازالوا يتقبلون عزاء السنوات الخمس بأحزانهم، هاهم يشاركون المدينة التي استضافتهم وقاسمتهم خبزها، في حزنها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق