مقالات الرأي

بوتين يتفرد برسم ملامح نظام عالمي جديد

في غياب إدارة أميركية فاعلة، تُعطي أهمية لمنطقة الشرق الأوسط ولمصالحها الاستراتيجية فيها، يتفرد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، برسم ملامح النظام العالمي الجديد الذي يضمن المصالح الروسية في هذا الشرق، الذي يُعدّ أقرب جغرافيًا إلى روسيا من الولايات المتحدة الأميركية، كما كان يُصرح زعماء الاتحاد السوفياتي سابقًا. ولاشك في أن وضع الإدارة الأميركية في عهد أوباما، وخاصة في أشهر نهاية حكمه، هو فرصة زمنية ذهبية، لن يتركها ثعلب الكرملين تذهب هباءً، دون أن يشرب آخر نقطة في كأسها، حتى لو كلّفه ذلك الاعتماد التام على العسكرة، وعرض عضلات الأسلحة الروسية الحديثة المدمرة، فمثله لا يبالي بحياة الشعوب، أو الأرض المحروقة، أو حقوق الإنسان، أو المواثيق الدولية، أو ما هو مُحرّم أو غير مُحرّم، إنه الدولة الكبرى على هذه الكرة الأرضية، وعلى الآخرين أن يُذعنوا لإعطاء روسيا النفوذ السياسي والاقتصادي الذي يعادل قوتها العسكرية، فمنطق العالم دومًا في رأيه، وعبر تاريخ الأمم، هو منطق القوة والغلبة، المناقض تمامًا لمنطق العواطف وطلاب السلام والإنسانية، فكيف يمكن لوفود المعارضة السورية أن يتعاطف معها قلب أو عقل، ما عاد يرى إلا مصالحه الشخصية، ومصالح عودة روسيا إلى خارطة النظام العالمي الجديد، بالنفوذ الذي كانت عليه في القرن الثامن عشر، أيام أقوى القياصرة الروس، وأيام السوفيات، ورسم حدود مجالها الحيوي من جديد، وكأنه يثأر اليوم من العقود التي أذلت روسيا، وكادت تدفعها إلى العالم الثالث.

 

عندما توجه كيسنجر إلى موسكو؛ لإبلاغ الكرملين بأن النظام العالمي القديم قد انتهى دوره، سواء أكان نظام القطبين، أم نظام القطب الواحد، كان يُدرك أن البنية الاقتصادية الأميركية حاملة المجتمع والسياسة قد عاث النخر فيها، كما كان على معرفة كاملة بشخصية بوتين ونيّاته وأهدافه. وعندما توجه نتنياهو إلى موسكو أيضًا، كان يعي تمامًا ما وعاه أستاذه كيسنجر من أن بوتين بالنسبة له، كما هو بالنسبة لكيسنجر، حليفٌ يستحق الاحترام، وليس كأوباما الذي لم يحترمه، على الرغم من عطائه غير المحدود لإسرائيل، وتصريحاته الدائمة بالمحافظة على أمنها، الذي هو عماد السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، بل ربما أدرك مسبقًا أن مركز النفوذ الأقوى بات بيد بوتين وليس بيد أوباما، أو حتى الرئيس الأميركي الجديد، سواء أكانت العجوز المريضة (كلينتون)، ممثلته، أم العجوز الأخرق (ترامب) الذي وجد نفسه يملك المليارات؛ فقرر أن يصرفها على إيصاله للرئاسة، الشهوة غير المستحيله على أمثاله في النظام الرأسمالي الأميركي، لقد أصبح الزمن اليوم هو الزمن الروسي بمنازعة عالمية خجولة، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، فما الحدود التي يرغب أن يرسمها بوتين اليوم للنفوذ الروسي  في النظام العالمي الجديد؟

 

بدخول بوتين إلى قاعدة همدان الإيرانية وتوسيعه قاعدة حميميم السورية، يرسم استراتيجية النفوذ الروسي المقبل، وبالتالي يرسم ملامح النظام العالمي الجديد، معلنًا أن ذاك يتم بالاتفاق مع الإدارة الأميركية، على الرغم من نفيها المتواضع لتلك التصريحات.

 

لقد اخترق بوتين مناطق تقاسم النفوذ وفق النظام العالمي القديم، إذ كان من المعروف أن العراق ونفطه منطقة نفوذ غربية أميركية، وسورية، منذ خمسينيات القرن الماضي، وعلى زمن الاتحاد السوفياتي، منطقة نفوذ روسية أو حليفة لما كان يُسمى كتلة الدول الشرقية التي ترأسها روسيا، وكان وجوده على الشواطئ السورية، وبعدها امتلاكه قاعدة حميميم، تتفهمه دوائر السياسة الأميركية، كما تفهمت تحالفه مع إيران في ملفها النووي، واستطاعت من خلال سياسة العقوبات الاقتصادية أن تحتوي إيران، وأن تُحدد التعاون النووي الإيراني – الروسي، لكن، أن يحصل على قاعدة إيرانية لطائراته الاستراتيجية، وتسمح حكومة العراق التابعة للسيطرة الإيرانية، بأن تعبر أجواءها وصولًا إلى شواطئ المتوسط، فذاك يعني شيئاً آخر، أقله أنه يُشير إلى تشكل المنطقة وفق تقاسم نفوذ، يرسم ملامح النظام العالمي الجديد.

 

من يتأمل الحدود الجنوبية للاتحاد الروسي، يلاحظ أن قوسًا من الأصول التركية والإسلامية يحتل قسمًا مهمًا منها، فإضافة إلى تركيا، هناك تركمانستان وأذربيجان وأفغانستان، وقريب منها باكستان، حتى منغوليا، وهذا يعني قوسًا من الاختلاف الديني والثقافي، تعامل الروس مع معظمه باستعلاء عنصري، تدعمه الكنيسة الأرثوذكسية، حتى وقر في نفوس أبنائه عواطف عدائية أو شبهها لهم، وقد استفادت السياسة الأميركية فيما مضى، في أثناء الاتحاد السوفياتي وما بعده، فوضعت قواعد عسكرية صاروخية في أماكن متفرقة من هذا القوس، حاصرت فيها روسيا، ولاشك في أن أهم تلك القواعد كانت قاعدة أنجرليك التركية المعروفة، وهذا يعني أن دخول روسيا إلى قاعدة همدان التي تقع شمال غربي إيران، وتواصلها مع قاعدة حميميم هو التفاف على قوس الصواريخ الأميركية وإبطال لمفعولها، وبخاصة أن قوسًا روسيًا مقابلًا، كان منصوبًا في الجمهوريات القوقازية، والآن في شبه جزيرة القرم،  فإذا أضيف لها التوجه التركي الأخير نحو روسيا، أكان تكتيكًا أم استراتيجًا، وتثبيت الأقدام الروسية في أوكرانيا الشرقية، تبين مقدار الامتداد الروسي الذي يسعى إليه بوتين، بل مدى تطلعه إلى امتداد أكبر من خلال تحالفه مع إيران، فمنذ أيام حضر مندوبوه حفل تشكيل المجلس العسكري للحوثيين وصالح بتسهيل إيراني، هذا عدا عن الاتفاقيات الاقتصادية المغرية التي عقدها مع دول الخليج العربية من خلال الورقة الإيرانية – السورية دون أن يُعطي ما يُعادلها بالكرم.

 

ذاك هو المشهد الروسي اليوم في شرق المتوسط كله، وما يجعل موضوعة النظام العالمي الجديد مشروعةً، برود ردود الفعل الغربية والأميركية، والاكتفاء بالعقوبات الاقتصادية التي تتهاوى شيئًا فشيئًا، ثم دخول الصين كقوة مستقبلية كبرى، بالتنسيق مع السيد بوتين، فهل يمكن أن يكون هذا الامتداد قَنصًا لفترة الانتخابات الأميركية أم سيصبح حدودًا ثابتة، وفق ملامح النظام العالمي الجديد؟ وهل ستُعرقل الشعوب تلك المخططات، وتقلب الطاولة على من يجلس حولها؟ وخاصة أن كل ما يجري ترسُمه دماؤها وكوارثها، وفي مقدمتها الشعب السوري المنكوب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق