ترجمات

التجاذب والتنافر في العلاقات الروسية-التركية

أظهرت الصحف التركية روحًا من الإثارة والحماسة، بعد اللقاء بين الرئيسين التركي، رجب طيب أردوغان، ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين. ولم يكن ذلك اللقاء بداية علاقة جديدة بين البلدين، فحسب، بل كان فجر تحالف جيو-إستراتيجي جديد. وترجم بعض المعلّقين في الغرب، وأماكن أخرى تلك الحركة على أنها بداية الانفصال البطيء لتركيا عن الغرب، وبشكل خاص عن الولايات المتحدة، لتستبدل بها تحالفًا أوراسيًّا سيضم تركيا وروسيا، وكذلك الصين وإيران وبعض دول وسط آسيا. في الواقع، اقتصر معظم ما تم الاتفاق عليه بين البلدين على الجانب الاقتصادي، وإعادة تشغيل المشاريع التي تم تجميدها سابقًا. وكان الاستثناء الوحيد من ذلك هو مجموعة عمل مشتركة تختص في الشأن السوري، وتتألف من ممثلين من أعضاء على مستوى رفيع من وزارات الدفاع والخارجية، وأجهزة الاستخبارات من البلدين.

وحتى إن ذلك اللقاء شغل كثيرًا من المحللين، في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، إذ اهتم هؤلاء بعواقب الزيارة على المدى الطويل. وتألف محتوى زيارة إردوغان إلى  سان بطرسبورغ من جزأين رئيسين: الأول، محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز/ يوليو، والذي صدم الشارع التركي وقدم دعمًا ضروريًا للحكومة التركية، حيث اجتمع المواطنون الأتراك للمرة الأولى لحماية الدستور في البلاد. وكان مما أثار استياء أردوغان، تأخر الرئيس باراك أوباما لأكثر من ساعتين من تلك الليلة حتى أعلن إدانته للمحاولة؛ وجاء رفض واشنطن لتسليم فتح الله غولن الفوري، ليزيد من سوء الأوضاع بين البلدين، حيث يتهم أردوغان فتح الله غولن المقيم في بنسلفانيا–أميركا بالتخطيط للانقلاب. ومنذ ليلة 15 تموز/يوليو طردت حكومة أردوغان نحو 82 ألف موظف حكومي من مواقعهم، واحتجزت 26 ألفًا ممن اتهمتهم بانتمائهم إلى حركة غولن.

ودار الجزء الثاني من محتوى الزيارة، حول ركود العلاقات الروسية التركية منذ 24 نوفمبر/تشرين الثاني، حين أسقط الأتراك طائرة روسية حربية، اخترقت، قليلًا، الأجواء التركية. وكان أحد القادة الأتراك، وهو أحمد داوود أوغلو، رئيس الوزراء حينذاك، قد صرح في اليوم التالي لحادثة إسقاط الطائرة، بأنه هو من أمر بإسقاطها شخصيًا، وأنه –بحسب تصريح آخر لأردوغان– كان سيفعلها ثانية من دون تردد، في سبيل حماية حدود بلاده، وجعل الروس يحترمون قواعد الاشتباك. وفي ردّ سريع، أوقف بوتين كل السياحة الروسية إلى تركيا، في وقت كانت البلاد فيه تعاني من تراجع كبير في عدد السياح، نتيجة تفجيرات متعاقبة كان أهمها ذلك الذي وقع في مطار إسطنبول الرئيس. وأوقف بوتين كذلك استيراد المنتجات الزراعية التركية. وأجبر أردوغان بسبب مجمل الضرر الاقتصادي الذي لحق بتركيا، مترافقًا مع إحساس عميق بالعزلة في المنطقة، على الاعتذار من بوتين في السادس والعشرين من يونيو/ تموز من هذا العام، عن حادثة إسقاط الطائرة الروسية. ولم تكتف حكومة أردوغان بذلك، فإبان فترة المصالحة مع روسيا، وفي أعقاب الانقلاب الفاشل، ألقت تركيا باللوم على طياريها للتصرف بأوامر من غولن، وقامت باعتقالهم في إيماءة أوحت بضعف داخلي، وكان من الأفضل للقادة الأتراك الاعتراف بأنهم قد أخطؤوا.

إنه من غير المرجح على الإطلاق، أن يصدق بوتين ذلك السرد الجديد، لكنه يتلذذ على ما يبدو بتبريرات الأتراك المعذَّبة، وتستهويه مجاراة اللعبة. في نظره، تلك فرصة ليزعج الأميركان ويثبت أنه لا يزال يحظى بنفوذ عالمي، إضافةً إلى استمتاعه برؤية أردوغان وهو ينحني أمام رغبته. وبشكل مماثل؛ ففي نظر إردوغان وحكومته، يظهر الأتراك أن لديهم بدائل لحلفائهم الغربيين بإعادة التواصل مع الروس، في وقت يحتد فيه التشنج الداخلي، والخوف، وانعدام الاستقرار، ما يشبع عنده المزيد من الرغبات الشخصية.

ومع ذلك، فليست روسيا بالبديل الكافي لتركيا عن العلاقات الغربية وحلف الناتو؛ فباستبعاد العداء الحالي للأميركان، عمل الجانبان بشكل مقرب على مدى عقود. وليس الجيش التركي وحده المرتبط بالأميركان، بل كذلك كثير من الشخصيات الرسمية التركية تواصلت مع تلك الأميركية بشكل يومي في ما يخص مجموعة واسعة من القضايا العالمية، مثل البيئة، والإرهاب، وإدارة الاقتصاد وغيرها كثير. ولا يمكن للروس التعويض عن المنظمات غير الحكومية، أو الشركات، أو المؤسسات الأكاديمية المشتركة بين الأتراك والأميركان.

وتظهر نظرة سريعة على إحصائيات الصادرات التركية، اعتماد تركيا الكبير على الأسواق الغربية. ففي العام الماضي كانت ألمانيا سوقها الرئيسة بـ 9.3 في المئة من صادراتها، تليها المملكة المتحدة، فالعراق، وإيطاليا، ثم إسبانيا، وبعدها الولايات المتحدة. وأما روسيا؛ فتحتل المرتبة التاسعة من ناحية الصادرات التركية بنسبة 2.5 في المئة فقط. ويظهر تدفق الاستثمارات، ارتباطًا أكبر للدول النامية اقتصاديًا بالغرب، وتحدد الشركات الأوروبية والأميركية نقاط التصنيع في تلك البلدان، من صناعة السيارات والمركبات، والصناعات الإلكترونية، إلى الصناعات الكيميائية. ويسعى الأتراك إلى تحصيل فرص العمل والتعليم في الغرب. مثلًا؛ كم من الأتراك سعى إلى الحصول على إقامة أو جنسية في روسيا أو الصين؟ حتى أولئك المعادين لأميركا من الأتراك، بمن فيهم نخبة الموالين لأردوغان، يفضلون العيش والتفاعل في الولايات المتحدة عن روسيا، ويعتاش الاقتصاد الروسي على الصادرات الهيدروكربونية، ولا يمكنه المنافسة عالميًا؛ فمتى اشترى تركي سيارة روسية آخر مرة -تذكرون سيارة لادا؟- أو طائرة روسية؟

لذا، دعونا لا نخدع أنفسنا، فأن تنأى تركيا بنفسها عن الغرب؛ فإنّ هذا سيفقرها، ولن يزيد من أمانها، وعلينا ألّا ننسى أن تركيا هي التي سعت إلى الالتحاق بالناتو، حين تمدد الاتحاد السوفييتي ساعيًا إلى تجاوز ولاياته الشرقية؛ فربما لا تكون الولايات المتحدة حليفًا مثاليًا، لكن من مزاياها بعدها عن أنقرة.

ومن جانب آخر، كانت تركيا على الدوام حليفًا مهمًا للولايات المتحدة، وإن كان شائكًا في معظم الأحيان. وإن اختلفت واشنطن وأنقرة حول قضايا مختلفة عبر السنين، وكان أشدها قرار الأميركان بدعم الأكراد السوريين كأشد طرف يحارب الدولة الإسلامية “داعش” تأثيرًا؛ الأمر الذي أفزع الأتراك، إذ ليس أكراد سورية سوى امتداد لأكراد تركيا أنفسهم. وحاليًا، تستخدم الولايات المتحدة قاعدة إنجيرلِك الضخمة الواقعة جنوبي تركيا، لتطلق عمليات ضد داعش في سورية والعراق. هل يمكن لأنقرة إنكار ذلك الاستخدام؟ وإن فعلت ذلك، ستعرّض علاقاتها مع واشنطن للخطر، وخاصة علاقاتها مع الكونغرس والحكومة الأميركية المقبلة. والأهم من ذلك، أن “داعش” تشكل خطرًا على تركيا، مثلما تشكل خطرًا على سورية أو العراق.

ويكمن التحدي الذي يواجهه أردوغان وزملاؤه، في شق طريقهم في خضم الغضب الشعبي الناجم عن محاولة الانقلاب العنيفة. وتحاول جوقة المتملقين من حوله تقويض علاقاته مع الولايات المتحدة، بحياكة نظريات مؤامرة خيالية. وقد غذى أردوغان تلك النظريات بقوله إنّ الولايات المتحدة ربما تكون قد دعمت الانقلاب؛ ففي الواقع كان ذلك كل ما يحتاجه الشارع التركي، واليوم يعتقد الجميع، تقريبًا، بتورط أميركا في محاولة الانقلاب. هنا يكمن كل الخطر على العلاقة، في حال أذعن إردوغان إلى تلك الأصوات، فسوف تدخل العلاقات التركية الأميركية في نفق مظلم وربما –وأشدد هنا على كلمة ربما– تتجاوز خط اللاعودة، ويصبح من المستحيل إصلاحها، ومن الحماقة أن تستمر الولايات المتحدة في سياستها الحالية ومحاولة إدارة الأزمة بصمت؛ فلقد فتح انقلاب 15 يوليو/تموز صندوق باندورا، وأصاب العلاقات كلها مجموعة من التحولات، ولم تعد القواعد القديمة صالحة للتطبيق الآن.

عنوان المادة الأصلي بالإنكليزية  The Russian-Turkish Fling: Off Again on Again

 

اسم الكاتب بالعربية والإنكليزية  Henri J. Barkey   هنري باركي
مصدر المادة أو مكان نشرها الأصلي  American Interest
مكان النشر الثاني    Wilson Center
تاريخ النشر      17\ 8\ 2016
رابط المادة  https://www.wilsoncenter.org/article/the-russian-turkish-fling-again-again
اسم المترجم مروان زكريا

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق