أبحاث ودراسات

حلب في مركز الصراع

المحتويات

مقدمة

أولًا: مدخل

ثانيًا: مشروع اتفاق كيري- لافروف

ثالثًا: حلب في مركز الصراع

رابعًا: استخلاصات

 

مقدمة
شكّلت معركة حلب -بعنصر المفاجأة الذي توافر لها وبالطريقة التي أُديرت فيها- علامة فارقة في مسار الحرب منذ شهر تموز/ يوليو عام 2012، غير أنه من المبكّر القول إنها غيّرت موازين القوى على الأرض، أو قلبت معادلات الصراع، لكن من المؤكّد أنها أفشلت إستراتيجية النظام، التي عمل عليها على امتداد السنوات الثلاث الماضية، ونسفت حساباته السياسية الراهنة بالذهاب إلى جنيف، بعد أن تكون حلب قد سقطت بين يديه، وقلّصت النفوذ الإيراني، وبعثت برسالة إلى روسيا مفادها استحالة إنهاء الصراع عسكريًا كمدخلٍ لفرض رؤيتها للحلّ السياسي؛ من دون أن ننسى أن المعركة لم تنتهِ فصولها بعد، وأنها قد تظلّ مفتوحة إلى أمدٍ ليس بالقصير.

أولًا: مدخل
بعد مرور نحو عام على التدخل العسكري الروسي في سورية، يبدو -وبجردة حساب سريعة- أن حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر، حتى الآن على الأقلّ؛ فكما هو معلوم أن روسيا تدخلت عسكريًا في سورية في 30 أيلول/ سبتمبر من العام الماضي 2015، بطلبٍ من إيران ونظام بشار الأسد، في لحظةٍ كاد النظام فيها أن يصل إلى حافة الهاوية، على الرغم من كلّ الدعم الذي توافر له من إيران وميليشيات حزب الله اللبناني، ما عدا الميليشات الطائفية الأخرى؛ العراقية والأفغانية والباكستانية. وقد تدخلت روسيا بموجب صكٍ أُعطي لها على بياض، تولّت هي الإشراف على صوغ بنوده، التي تحوّلت بموجبها إلى قوة احتلالٍ بالمعنى الفعلي للكلمة. وقد انبنت إستراتيجية التدخّل، كما تكشّف الأمر، على رؤيةٍ تضمّنت أهدافًا ومسائل عديدة، تطال مصالحها في سورية، وفي المنطقة، وفي العالم.

وكما هو معلوم أيضًا، فقد كان إنقاذ نظام بشار الأسد في رأس سلّم أولوياتها. وهو الأمر الذي عملت عليه، وتحقّق لها، عبر الدعم الهائل والمتعدد الأشكال الذي قدمته لبقايا جيش النظام، ولجميع القوى الأخرى الداعمة له، معتمدةً على تراخي الإدارة الأميركية وتخاذلها في التعاطي مع المسألة السورية، أو غضّ النظر عما تقوم به، لا فرق.

وهي، منذ لحظة تدخلها، ظلت تؤكد أنها مع الحلّ السياسي للمسألة السورية. لكن الحلّ الذي تعمل عليه، هو ذلك الذي يُبقي على نظام الأسد عبر تمكينه من تغيير موازين القوى العسكرية على الأرض، واستعادة المناطق الخارجة على سيطرته، وضرب فصائل المعارضة المسلحة بذريعة محاربة الإرهاب، وإخضاعها لهذا الحلّ. وهي بموجب هذا النهج لم تعمل إلاّ على تعقيد الأمور وإطالة أمد الحرب، الأمر الذي مكّنها من الإمساك بالمسألة السورية، وتحويلها إلى ورقة في يديها، للمساومة من خلالها على مسائلها العالقة مع الغرب -أميركا على وجه الخصوص- بعيدًا من مصالح سورية ومصالح السوريين.

والأمل الذي كان يحدوها، وما زال، هو قبول الولايات المتحدة بالتنسيق العسكري معها لمحاربة الإرهاب، متطلعةً من وراء ذلك إلى إشراك نظام الأسد في هذا التنسيق، كمدخلٍ لإعادة إسباغ الشرعية الدولية عليه، كما كان يتراءى لها، غير أن الأميركان ظلّوا يصدّونها ويتمنّعون عن ذلك، مكتفين بذلك المستوى المتدني من التنسيق، الذي يكفل عدم احتكاك طائراتهم أو تصادمها في الأجواء السورية ليس إلا. غير أن الفرصة، وكما تراءى لهم، جاءتهم أخيرًا، فلا بدّ من أن يتمسكوا بها.

ثانيًا: مشروع اتفاق كيري- لافروف
الاجتماعات الماراثونية التي عقدها وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، في زيارته إلى موسكو في منتصف شهر تموز/ يوليو الماضي، مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ومع وزير الخارجية، سيرغي لافروف، انتهت إلى توافقٍ على خطوط عامة لـ”خطة” أو “اتفاق” بخصوص المسألة السورية، أخذ يعمل عليه الخبراء. وأعرب كيري عن أمله في أن يُعلن عن بنود هذا “الاتفاق المفترض” في مطلع آب/ أغسطس الحالي.

وفي المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني، في 18 تموز/ يوليو الماضي، شرح كيري أن الأمر يدور حول “خطوات متسلسلة” هدفها “استعادة وقف الأعمال العدائية وإيقاف القصف العشوائي لنظام الأسد، وتصعيد الجهد ضد جبهة النصرة، وأيضًا خلق مساحة لانتقال سياسي حقيقي وذي مصداقية“. ولفت إلى أن العمل على إطار التنفيذ لخطة تتضمن تلك المبادئ “جري القيام به الآن بينما أتحدث، وخلال هذا الأسبوع ستجري لقاءات أخرى، وأتوقع سلفًا أنه سنعلن عن خطوات جديدة بينما نمضي قدمًا“.

بعض المصادر الديبلوماسية الأوروبية التي اطلعت على ما حمله كيري، قلّلت من أهمية إحداث أي اختراق، وأشارت إلى أن هذه “الخطة” تمثل “مستوى جديدًا، لكنه يأتي في سياق تطور اللعبة بين الأميركيين والروس، وليست خطوة تستهدف تحويل مجرى الصراع في سورية“.

كما وضع كيري تفاصيل الاتفاق مع الروس أمام نظرائه الخليجيين، في اجتماع تصدّره مع وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، الذي قال في مؤتمر صحافي مع موغيريني إن “الأمل قائم بإيجاد حل للأزمة السورية“، مشددًا على أن “دعم المعارضة السورية سيستمر، وكذلك الحرب على داعش“.

 

وأشارت بعض المصادر التي اطّلعت على مداولات الاجتماع الخليجي-الأميركي، إلى أن الخطة تحاول “التأسيس لهدنة دائمة، ثم تكريسها على الأرض باتفاق شامل“. لكنها قللت أيضًا من إمكانية التعويل على انفراجة حقيقية في الحرب السورية، كما تحدثت عن “تحفظات” سعودية تعترض على “خطة توصل لتطبيع مع روسيا بما يعني القبول ببقاء نظام الأسد في السلطة“، ورأت أن ذلك يزيد من تعقيد الوضع السوري “بشكل لا يمكن معه توقع انعطافات قريبة. نأمل ذلك وكيري حمل بوادر اتفاق شامل، لكن لا يمكن انتظار حصول تحوّل مهم“.

 

لكن، مجمل الخطوط العريضة للخطة، كما سرّبتها الصحافة الأميركية، تُظهرها كما لو أنها خطوة كبيرة فعلًا، ذلك أنها تتضمن تشكيل مركز تنسيق مشترك لمراقبة هدنة دائمة، سيجعل واشنطن وموسكو في مركز قيادة موحّد لإدارة الميدان السوري. وسيعني ذلك أيضاً تلبيةً لمطالب روسية، تكررت مرارًا في السابق، حول تنسيق عسكري مشترك وجديّ لمحاربة الإرهاب.

 

هذا، بينما رأى وزير الدفاع الأميركي، كارتر أشتون، في تصريحٍ أدلى به في 21 تموز/ يوليو الماضي، أن “احتمال التعاون العسكري مع روسيا مستبعد في الوقت الحالي“. جاء كلامه هذا في اجتماع لوزراء الدفاع والخارجية لدول “التحالف الدولي لمحاربة داعش” في واشنطن، وهو التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية. وزاد في القول “الولايات المتحدة تناقش مع روسيا الأمور التي ما زالت ممكنة، وتقوم على أن يبدأ الروس، بصورة ملموسة، بتنفيذ ما أعلنوا عنه عندما دخلوا سورية” وتابع مكرّرًا اتهاماته لروسيا بأنها “تتحدث عن خططها في التصدي للإرهاب بينما تمارس أعمالًا أخرى”.

تصريحات أشتون هذه أضفت حالةً من الغموض، على الحديث عن التوصل إلى اتفاق أميركي-روسي ينصّ على التعاون العسكري، وتفعيل وقف إطلاق النار، واستئناف المفاوضات، ورأى مراقبون أن هذه التصريحات تعكس تباينات جوهرية، حول المسألة السورية بين وزارتي الدفاع والخارجية الأميركيتين.

في حين أبدت “الهيئة العليا للمفاوضات”، في البيان الذي صدر عن اجتماعها الذي عقدته في الرياض بين 15 و18 تموز/ يوليو الماضي، استغرابها من “حالة الغموض في الاتفاقات الروسية والأميركية حول القضية السورية، وهو غموض حتى على الدول الصديقة المعنية بالعملية السياسية”، وطالبت بـ “إجراء مراجعة دقيقة لعمليات محاربة الإرهاب، وما تطلبه روسيا من فصل بين منظمات تسميها إرهابية وبين المدنيين وفصائل الجيش الحر” محذّرة من أن “تتحول عملية مكافحة الإرهاب إلى مجازر ضدّ المدنيين، الذين لا يجدون مكانًا آمنًا يلجؤون إليه للنجاة من القصف اليومي لمدنهم وقراهم وبيوتهم”.

من جهته، قال المبعوث الخاص للأمم المتحدة، ستيفان ديمستورا، قبل اجتماعه مع وزير الخارجية الألماني، فرانك شتاينماير، في 23 تموز/ يوليو الماضي: “نعتزم البحث عن موعدٍ مناسب في أغسطس/آب لاستئناف المحادثات بين الأطراف السورية في جينيف”، وأكد أن “الأسابيع الثلاثة المقبلة ستكون مهمة جدًا لمنح فرصة، ليس فقط للمحادثات بين الأطراف السورية، ولكن أيضًا لاحتمالات خفض العنف”، وألمح إلى “أن إحراز تقدم في المحادثات الأميركية- الروسية بشأن سورية، سيمنح الجولة القادمة من المحادثات بداية جيدة، ويمكن أن يساعد الأطراف المتحاربة على اتخاذ خطوات حقيقية وصادقة في اتجاه الانتقال السياسي”.

وهكذا، فإن الأجواء التي كانت سائدة في النصف الثاني من تموز/ يوليو، كانت تشير إلى أن هناك خريطة طريق، يمكن أن توصل الأطراف جميعًا، إلى استئناف مفاوضات جنيف، وأن الأمر ينتظر، فحسب، إنجاز اتفاق كيري-لافروف الذي كان الخبراء من الطرفين، الأميركي والروسي، منكبّين على بلورة بنوده. وأُعلن ديمستورا أن نهاية شهر آب/ أغسطس ستكون موعدًا لاستئناف محادثات جينيف على أبعد تقدير.

التساؤل المشروع الذي يفرض نفسه هنا: هل راودت الروس في هذه الأجواء، فكرة فرض الحصار على أحياء حلب المحررة من سلطة النظام، لتغيير موازين القوى على الأرض، ولاستخدامها ورقةً إضافية لإخضاع قوى المعارضة، في محادثات جنيف المزمعة للحلّ السياسي الذي يرتؤونه، في ظلّ الانشغال الأميركي بالانتخابات الوشيكة، وفي سباقٍ مع الزمن قبل التوصل إلى إبرام اتفاق كيري- لافروف الذي يُحيّد القوة الجوية لقوات النظام؟

ثالثًا: حلب في مركز الصراع
1- الحصار
بعد المحادثات الأخيرة التي أجراها كيري مع المسؤولين الروس، منتصف تموز/يوليو الماضي، بخصوص الملف السوري، رشح أن ملفات أخرى كانت موضوعة على الطاولة أيضًا، وبصورة خاصة الملف الأوكراني، وملف العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، ويبدو أن روسيا أصبحت مقتنعةً بأن إدارة أوباما، ليست مستعدةً للبحث فيما يتجاوز الملف السوري. فهي لا تبدي أيّ مرونة للبحث في ملفات أخرى تضعها هي، أي روسيا، في صلب اهتماماتها، الأمر الذي يجعل الروس أكثر إصرارًا على التمسّك بالورقة السورية، وأكثر تشددًا في التعاطي مع هذا الملف، ويجعلهم، بالتالي، يرفضون إبرام أيّ اتفاقٍ يضع المسألة السورية على سكة الحلّ، ما لم يُبدِ الآخرون استعدادهم للبحث في ملفات أخرى كثيرة، هي موضع خلافٍ بين الطرفين. فهل تكمن هذه المسألة في خلفية المشهد، الذي يحيط بحلب في هذه الأيام، إضافةً إلى التساؤل المشروع الذي طرحناه أعلاه؟

من المعلوم أن روسيا لم تخضع في السابق، لكل أشكال الضغوط التي مورست عليها، من جانب إيران ونظام الأسد لتقديم المساعدة لهما من أجل اقتحام حلب، هذا لأنها تعلم أن حلب ليست شأنًا محليًا أو إقليميًا فحسب، بل هي شأن دولي أيضًا. وحتى حين أعلن نظام الأسد في وقت سابق عن نيته التوجه لاسترداد الأحياء التي خرجت على سلطته في حلب بمساعدة كل من إيران وروسيا، سارعت الأخيرة إلى نفي هذا الإعلان، ووجهت الأنظار حينها نحو تدمر، وليس نحو حلب.

أما في هذه الأيام، ولفرض الحصار على المناطق المحرّرة من حلب، شنّت قوات النظام، وحلفاؤها على الأرض، في النصف الثاني من تموز/يوليو الماضي، وبدعم جويّ روسي كثيف، هجومًا مكّنها من السيطرة النارية على طريق “الكاستيلو”، في مرحلة أولى، ثم، في مرحلة تالية، من السيطرة الفعلية عليه؛ وهو المعبر الوحيد إلى أحياء حلب الشرقية، والطريق الذي يربط هذه الأحياء بريف حلب الشمالي وبتركيا أيضًا. وبذلك تكون قوات النظام والميليشيات الشيعية المقاتلة معها، بما في ذلك “حزب الله اللبناني”، قد أحكمت الحصار على القسم الشرقي المحرر من مدينة حلب، الذي يُقيم فيه نحو 300- 400 ألف نسمة. وبعد ذلك مباشرة، ألقت طائرات النظام مناشير ورقية دعت المدنيين إلى “الخروج من مناطقهم”، وحدّدت لهم ثلاثة ممارّ للخروج وصفتها بـ “الإنسانية”.

ما يزيد حصار حلب سوءًا أنه لا تتوافر في حلب أراضٍ زراعية، يُمكن أن يُعتمد عليها في تأمين بعض حاجات أهلها إلى الغذاء، وخاصة إذا طال زمن الحصار، على عكس الغوطة الشرقية، على سبيل المثال، التي يعتمد سكانها، إلى حدّ كبير، على ما يزرعونه.

من هنا، يتّخذ ما يجري في حلب هذه الصفة الاستثنائية والمصيرية للأطراف المتحاربة جميعها.

صحيح أن نظام الأسد وإيران يهدفان إلى استعادة الأحياء التي خرجت على سلطة النظام في حلب، وإعادة بسط سيطرتهما على كامل المدينة التي تُعدّ العاصمة الاقتصادية للبلاد، ومن ثم على المحافظة بأسرها التي يعدّ سكانها ربع سكان سورية، في محاولة لفرض خيارهما العسكري، وإخضاع المعارضة لهذا الخيار. غير أن روسيا لا ترغب، كما يبدو، في أكثر من فرض الحصار على المناطق المحرّرة من المدينة؛ ليظلّ ورقة ضغطٍ في يديها تستخدمها في الحلول المرتقبة. لكن الولايات المتحدة شكّكت في النيّات الروسية، وأكدت على لسان الناطق باسم البيت الأبيض أنها  “لم تكن على دراية بخطط روسيا لمهاجمة حلب وحصار المدنيين”. في حين أن المعارضة تجد نفسها في وضعٍ تخوض فيه حرب حياة أو موت، هذا لأنها تدرك ألّا شيء يعوّضها خسارتَها العاصمةَ الثانية للبلاد.

بالفعل، هناك ما يدعو إلى التشكيك في النيّات الروسية، فقد أعلن وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، في 25 تموز/ يوليو الماضي، أي بعد أيام قليلة من فرض الحصار، عن بدء “عملية إنسانية واسعة النطاق” في حلب، قبل أن تُعلن قوات النظام عن فتح ثلاثة معابر أمام المدنيين الراغبين في الخروج من الأحياء الشرقية المحاصرة في المدينة. وذكر شويغو أن ممرًا رابعًا سيُفتح في الشمال على طريق ” الكاستيلو” ليسمح “بمرور المقاتلين المسلحين بشكل آمن”، في توجّه مفضوح لتهجير السكان من مناطقهم، ودعوة صريحة لاستسلام المقاتلين.

هذا الواقع المستجدّ “الممارّ الروسية الإنسانية” المزعومة، دفع وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، إلى وصف هذه الممرات بـ “خدعة”، وحذّر من أن تعاونه مع زميله سيرغي لافروف أصبح معرّضًا للخطر.

بدوره، قال عضو في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية “ليس هناك أي ممرّات في حلب توصف بممرّات إنسانية، فالممرّات التي تحدّث عنها الروسي يسمّيها أهالي حلب بممرّات الموت”.

وبحسب مصدر دبلوماسي غربي “يريد الروس والنظام دفع الناس إلى تسليم أنفسهم” و“ما يريدونه هو الاستسلام وتكرار ما حدث في حمص”، في إشارةٍ إلى العام 2014، حين تمّ إخراج نحو ألفي مقاتل من المدينة القديمة، بعد عامين من الحصار المحكم والقصف اليومي من جانب النظام؛ ذلك أن الطيران الروسي، إلى جانب طيران النظام، لم يتوقّف عن قصف أحياء حلب الشرقيّة المحرّرة؛ في حين لم تتمكّن الأمم المتّحدة من فعل شيءٍ في أمرٍ هو في صُلب صلاحياتها، الأمر الذي دعا كثيرًا من المراقبين إلى عدّه نوعًا من التواطؤ.

وفي اجتماعٍ لمجلس الأمن في 25 تموز/يوليو الماضي، دعا سفيرا فرنسا وبريطانيا لدى الأمم المتحدة، فرنسوا دي لاتر وماثيو روكروفت، إلى إعلان هدنة إنسانية فورية في حلب وإنهاء الهجمات عليها وفتح طريق “الكاستيلو” إلى مناطق المعارضة في أحياء حلب الشرقية، وشدّدا على أن حلب “قد تتحوّل إلى مقبرةٍ للعملية السياسية“. كما دعا دي لاتر، إلى فتح طريق “الكاستيلو” وهو “الطريق الوحيد المتبقي للمدينة التي قطعها النظام وحلفاؤه”، عادًّا أن نحو ثلاثمئة ألف مهدّدون فيها “وهم تحت رحمة الميليشيات وعرضةً لحصار مشابه لأدوات القرون الوسطى”. بدورها، دعت السفيرة الأميركيّة لدى الأمم المتحدة، سامنثا باور، روسيا إلى “الاستجابة لنداءات التوصّل إلى هدنة من 48 ساعة”واصفةً  “أن هجمات نظام الأسد بدعمٍ من روسيا، تهدّد بإيصال مستوى الأزمة الإنسانية إلى قعرٍ أكثر عمقًا”.

كما ندّدت تسعٌ وثلاثون منظمّةً غير حكوميّة بـ “الممارّ الإنسانيّة المزعومة”، وقالت في بيانٍ لها “إن الاقتراح المشترك من سورية الهادف إلى إقامة ممرّات إنسانيّة في شرقي حلب غير ملائمٍ على الإطلاق على الصعيد الإنساني” عادّةً أن الاقتراح الروسي- السوري “ينطوي على مخاطر كبرى بالنسبة إلى سكان الأحياء المحاصرة”.

2- فكّ الحصار والحصار المعاكس وقلب الموازين
في هذه الأجواء، أعلنت فصائل المعارضة المسلحة يوم الأحد في 31 تموز/ يوليو، عن بدء “معركة تحرير مدينة حلب”، وأطلقت على المعركة اسم “ملحمة حلب الكبرى في يوم الغضب”. واللافت للانتباه في هذه المعركة مشاركة جميع الفصائل العسكرية في مدينة حلب وريفها في عمليّاتها، وفي مستوى رفيع من التنسيق لم تشهده الأعمال القتالية من قبل. وقد هدف مقاتلو الفصائل الذين تمكّنوا في اليوم الأول للمعركة، من كسر خطوط الدفاع لقوات النظام والميليشيات الطائفية الحليفة له، إلى فكّ الحصار عن أحياء حلب الشرقية في المقام الأول، تلك الأحياء التي بات ما يربو على 300 ألف شخص يعيشون فيها تحت حصار محكم من جانب قوات النظام، والميليشيات الحليفة له.

وبالفعل، تمكّن مقاتلو الفصائل من بسط سيطرتهم على منطقة الراموسة، الواقعة على الأطراف الجنوبية الغربية لمدينة حلب، الأمر الذي مكّنهم ليس من فتح طريق إمداد للأحياء التي يسيطرون عليها في شرقي وجنوب شرقي حلب فحسب، إنما من تهديد طريق إمداد رئيس لقوات النظام والمدنيّين في الأحياء الغربية من حلب.

ولم يمضِ أسبوع على بدء هذه المعركة، حتى سقطت الكليّات العسكرية (المدفعية والتسليح والجوية) في أيدي المقاتلين، والتي هي في منزلة قلاع حصينة للنظام في هذه المنطقة، إضافةً إلى نقاط أخرى إستراتيجية بالنسبة إليه.

وفي هذا السياق، أكّدت “غرفة عمليّات فتح حلب” استمرار المعركة حتى “تحرير” المدينة كاملةً.

ليس من شكّ في أن ما حصل في جنوب حلب شكّل ضربة قاصمة لنظام الأسد، ولروسيا وإيران و”حزب الله اللبناني”، في معركة أخذت طابع كسر الإرادات، خاصةّ أن الغارات الجويّة الكثيفة للطيران الروسي، لم تتمكّن من إيقاف تقدّم المقاتلين. ويرى مراقبون أن اللافت في هذه المعركة، هو سرعة تقدّم الفصائل المقاتلة والانهيار المفاجئ والسريع لقوات النظام، إذ لم تستغرق السيطرة على “مدرسة المدفعية” التي تُعدّ ثاني أهم موقع عسكري للنظام في حلب، إلاّ ساعة واحدة.

وإذا كانت هذه المعركة، بعنصر المفاجأة الذي توافر لها، وبالطريقة التي أُديرت فيها، قد شكّلت علامة فارقة في مسار الحرب منذ تموز/ يوليو عام 2012، غير أنه من المبكّر القول إنها غيّرت موازين القوى على الأرض، أو قلبت معادلات الصراع؛ لكن من المؤكّد أنها أفشلت إستراتيجية النظام، التي عمل عليها على امتداد السنوات الثلاث الماضية، ونسفت حساباته السياسية الراهنة بالذهاب إلى جنيف، بعد أن تكون حلب قد سقطت بين يديه، وقلّصت النفوذ الإيراني، وبعثت برسالة إلى روسيا، مفادها استحالة إنهاء الصراع عسكريًا، كمدخلٍ لفرض رؤيتها للحلّ السياسي، من دون أن ننسى أن المعركة لم تنتهِ فصولها بعد، وأنها قد تظلّ مفتوحة إلى أمدٍ ليس بالقصير.

في هذا السياق، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها على “المعارضة السورية” من أجل الانفتاح على موسكو التي تُمسك بمفاتيح الحلّ في سورية. وفي هذا، كان المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، مايكل راتني، واضحًا في حديثه أمام أعضاء في “الهيئة السياسية” للائتلاف الوطني في 11 آب/أغسطس؛ ففي الوقت الذي قال فيه المبعوث الخاص للأمم المتحدة، ستيفان دي مستورا، “إنه في حال عدم العودة إلى التفاوض أواخر الشهر الحالي (آب/ أغسطس)، فربما يطرأ جمود على المشهد السياسي يمتدّ أشهرًا عدّة [..] إلا إذا حدثت تطوّرات دراماتيكيّة في المسار العسكري تفرض معطيات جديدة”.

لهذا، يجري الحديث، بعد التطورات العسكرية الأخيرة على جبهة حلب، عن وجود مسعىً دوليّ للمحافظة على الوضع القائم، وعن رسائل ورسائل مضادة، من خلال تحرّكات أميركية-روسية، تحذر من إسقاط الخطوط الحمر في سورية.

رابعًا: استخلاصات
1- في الجانب العسكري والعمليّاتي
أ- أكّدت المعارضة السورية بجانبيها، العسكري والسياسي، أنها قادرة -مهما كانت ملاحظاتنا على رؤيتها وأدائها- على العمل المشترك، وعلى التنسيق والتكامل فيما بينها. وهو الأمر الذي ينبغي أن يظلّ عنوان المرحلة المقبلة.

ب- التخطيط الجيّد في التحضير للمعركة مع ضمان توفير عنصر المفاجأة، إضافةً إلى التنسيق الملحوظ بين الفصائل المقاتلة في جميع مراحل المعركة، كان في أساس “الانتصارات” المحققة.

ج- ليس ثمّة شكّ في أن السلاح الذي تمّ توفيره، كمًّا ونوعًا، كان له دور رئيس في الإنجازات التي تحقّقت. لكن إرادة القتال والروح المعنويّة العالية اللتين توافرتا لدى المقاتلين، كان لهما دورٌ لا يقلّ أهميّة في هذا المجال، من دون أن نُغفل ذلك الاندفاع الذي ساد في أوساط المدنيّين وفي البيئة الحاضنة على وجه العموم، وبصورة خاصّة، في ذلك المشهد الذي تجلّى، على سبيل المثال، في تجميع الدواليب المستعملة وإحراقها؛ للتعمية على الطيران، والذي قامت به ما اصطُلح على تسميتها بـ “كتيبة الدفاع الجوي”.

2- في الجانب السياسي
أ- يبدو أن السقف الذي تتطلّع إليه الولايات المتحدة في معارك حلب الجارية، هو فكّ الحصار عن المدينة وأهلها، ووقف الهجوم عليها. ذلك أن استعادة النظام هذه المدينة تعني هزيمةً كبرى للفصائل المقاتلة وللمعارضة عمومًا، وبالتالي، لا يبقى في يد المعارضة أي ورقة ضغطٍ لتحقيق الحدّ الأدنى من التغيير المطلوب، ولا يبقى أي معنى للتفاوض.

ب- في هذه الحالة، يكون تثبيت خطّ فكّ الحصار عن أحياء حلب الشرقيّة في منطقة الراموسة في رأس سلّم الأولويّات.

ج- يلي ذلك في سلّم الأولويّات تثبيت الأقدام في جميع النقاط التي تمّ “تحريرها” من قبضة النظام، وفي مقدّمها الكليّات العسكرية والنقاط الأخرى الإستراتيجية.

د- التوجه إلى “تحرير” حلب الغربية وتخليصها من قبضة النظام، كما هو معلن من غرفة عمليّات فتح حلب، سوف يُواجَه، على ما يبدو، بضغوط دولية كبيرة للحفاظ على مبدأ توازن القوى العسكريّة على الأرض كمدخلٍ للتفاوض. لهذا ينبغي أخذ هذه المسألة في الحسبان، إلا إذا حدثت تبدّلات في المعطيات الدوليّة، وهذه ليست باديةً للعيان.

هـ- وأخيرًا؛ فقد يكون من المسلّم به أن العمليّات الجارية على جبهة حلب، سوف تُلقي بظلالها على مسار التفاوض الذي سيدخل، على الأغلب، في حالةٍ من عدم اليقين قد تمتدّ إلى ما بعد الانتخابات الأميركية المقبلة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق