سورية الآن

الحوار العربي الكردي أيضًا ودومًا

نظّم صالون “هنانو” التابع لمركز “حرمون للدراسات المعاصرة” في العاصمة الألمانيّة برلين، خلال يومي 13-14 آب (أغسطس) الجاري، ورشة أو ملتقى حواريًا جمع نحو 35 شخصًا من المثقفين والكتّاب والأكاديميين والساسة الكرد والعرب والسريان حول المسألة الكرديّة وسبل حلّها في شكل ديموقراطي وطني عادل. وكان لي شرف المشاركة في هذا الحوار.

 

على امتداد ست جلسات، تمّت مناقشة القضيّة الكرديّة من غالبية جوانبها التاريخيّة والراهنة وآفاق الحل المستقبلي لها. كما تمت مناقشة كل الحلول من حق تقرير المصير والانفصال مرورًا بالفيديراليّة والحكم الذاتي وصولًا إلى النظام اللامركزي الإداري. وتنوّعت الآراء حول طبيعة الوجود القومي الكردي في سوريا تاريخيًّا وسياسيًّا وجغرافيًّا. وكانت المصارحة والشفافيّة والجرأة في طرح الأفكار والآراء لسان حال كل المشاركين بصرف النظر عن تباين مستويات الطرح والردود المتبادلة. بحيث خرج الجميع بانطباع إيجابي يعكس مستوى جديّة المشاركين، وأنه ينبغي التركيز على نقاط التلاقي والتفاهم في مسعى معالجة النقاط الخلافيّة، وصولًا إلى حل توافقي عادل ومنصف يرضي كل الأطراف. كما تمت الإشارة إلى أن هذه الندوة خطوة تأسيسيّة لندوات وملتقيات حواريّة أخرى حول القضيّة الكرديّة في سوريا.

 

طرح القائمون في مركز “حرمون” رزمة أفكار لحل القضيّة الكرديّة ضمن مصفوفة تمثّل وجهة نظر السوريين من غير الكرد حول آلية حل هذه القضيّة الوطنيّة الديموقراطيّة، تمت مناقشتها بكل صراحة وشفافيّة. وما زالت حزمة الأفكار مفتوحة على التعديل والإضافة، وليست تصوّرًا نهائيًا مبرمًا أو قطعيًا، كما فهمه البعض كردًا وعربًا.

 

وأن تأتي مبادرة الحوار من جهة بحثيّة عربيّة، لا علاقة لها بأطر المعارضة السوريّة (وفق ما أعلنه المدير التنفيذي للمركز، سمير سعيفان)، وسط هذه الأجواء المسمومة من التراشق الكردي – العربي السوري، المصحوب بالتشنّج والاستقطاب العالي التوتّر، فهذا بحد ذاته ينبغي أن يكون محل ترحيب وتشجيع، والبناء عليه لحوار أوسع وأشمل وأعمق مستقبلًا. ذلك أن ذهنيّة التخندق والتخوين والإرث البعثي وسمومه المعششة لدى بعض أطراف المعارضة وشخصياتها، يقابله رد فعل قومجيّ شديد الرعونة والتشنّج من الجانب الكردي. ومن هنا ضرورة الحوار، ليس لأجل الحوار، بل لالتماس طرق الحل ومفرداته، في رأس أولويّات كل شخص حريص على تجنيب سوريا المزيد من التمزّق والانقسام الأفقي والعمودي الذي يعبّر عن نفسه بأشكال عدّة، شوفينيّة وعنصريّة متبادلة.

 

لا يمكن الدخول في أي حوار، وأطرافه يشحذون السكاكين. ولا يمكن الخروج من أي حوار بكامل “العتاد” السياسي والآيديولوجي والشعاراتي – الحزبوي والجهوي. الجميع محكوم بمنطق منتصف الطريق والتنازل المتبادل. ذلك أن الحلول التوافقيّة قد لا تكون عادلة مئة في المئة، لكنها قد تفضي إلى حلول عادلة لاحقًا، ترضي كل الأطراف المتحاورة. ومن جهة أخرى، فإن أي طرف أو شخص يدخل في حوار لأجل إيجاد حل لقضيّة معقّدة وشائكة وحيويّة كالقضيّة الكرديّة، لا مناص أمامه من أن يبدي المرونة والحس الوطني الديموقراطي المسؤول، والعمل وفق ذهنيّة “ما لا يُدركُ كلّه، لا يُتركُ جُلُّه” أو “لا تكن قاسيًا فتُكسر، ولا ليّنًا فتعصر”.

 

ومن المؤسف ان بعض كُردنا الأفاضل، شنّوا هجومًا على هذه الندوة والمشاركين فيها، إما تصريحًا او تلميحًا، وقالوا إنهم لو كانوا حاضرين ومشاركين في الندوة لقالوا كذا وكذا للجانب العربي، وأن الطرف العربي المشارك ممثل لحزب البعث وفكره وإرثه، وإن الكرد المشاركين متخاذلون أو مهادنون أو باعة ذمم… إلى آخر هذه المتوالية من الكلام المجّاني، والتنزيهي للذات، والتشكيكي والتخويني للآخر الكردي والعربي!. وهذا من دون أن نغفل عن أن التعرض لهذا النسق من الكلام الشعبوي – التسطيحي هو مما يلازم كل محاولة حواريّة تكتسب قدرًا من الجديّة والمسؤوليّة والحرص الوطني الكردي والعربي على مصلحة سوريا وشعوبها. ذلك أن صفحات التواصل الاجتماعي شهدت، ولو على نطاق ليس بواسع، نسقًا من الكلام المزايد والاستعراضي حاول التشويش على الملتقى في شكل أو آخر.

لكن تبقى العبرة في استمرار الحوار والنتائج المتمخضة عنه والتي من المأمول أن تخاطب العقل، وليس العواطف، لدى كل الأطراف.

 

لقد ظن البعض من كردنا الأفاضل أننا ذهبنا إلى هذا الملتقى بهدف وضع مشاريع الحل النهائي أو الدساتير أو ما شابه ذلك، لذا ثارت حميّتهم ونخوتهم العالية التوتّر، كما لو أنَّ من حضر الحوار أقلّ منهم وطنيّةً وحرصًا على الحقوق والمطالب الكرديّة العادلة في سوريا!؟. بينما جوهر المشاركة في هذا الملتقى كان التأسيس لحوار بنّاء وموضوعي يفضي إلى تجسير الهوّة وتقريب وجهات النظر وصولًا إلى وضع تصوّر عملي مبدئي مشترك واضح المعالم لحل القضيّة الكرديّة في سوريا، يمكن التأسيس عليه وتطويره لاحقًا من جانب القوى السياسية. فملتقى برلين لم يكن محفلًا لجمع الأطر والهيئات السياسيّة الكرديّة والعربيّة، بل اقتصر على مستوى مجموعة صغيرة من الشخصيات الثقافيّة والسياسيّة والأكاديميّة وحسب. وهو، في النتيجة، كان ملتقى ناجحًا وخطوة متأخّرة في الاتجاه الصحيح. والعبرة في النتائج.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق