تحقيقات وتقارير سياسية

إنكم متهمون بالقتل العمد وإليكم الدليل

في الأخبار العاجلة وردت عبارة “النظام السوري يقصف الغوطة الشرقية بالسلاح الكيماوي”، وفي الأخبار الروتينية أن وفدًا من مفتشي الأمم المتحدة موجود في دمشق، للتحقيق في ما إذا استُخدمت الغازات السامة في مناطق متفرقة من سورية؛ كان هذا في فجر 21 آب/ أغسطس 2013، حيث وفد التفتيش الأممي يقيم -منذ ثلاثة أيام- في فندق (الفورسيزن) وسط دمشق، بينما على مسافة كيلومترات قليلة نامت عائلات سورية في بيوتها، فتسرّب الغاز السام إلى أنفاسها وبقيت بسكينتها الأبدية، ومع انتشار الخبر اطمأنت دول القرار العظمى أن الأسد الابن قد غفى آمنًا بين ألعابه، فابتدأت لعبة السياسة تحيك له المخارج كأفلام السينما عندما تصل الحبكة إلى الذروة.

 

في 10 أيلول/ سبتمبر 2013، أي: بعد 20 يومًا على المجزرة، خرج تقرير عن “هيومن رايتس ووتش”، أكّدت فيه أن الأدلة لديها تُشير إلى مسؤولية النظام السوري عن قصف بلدتين في الغوطة الشرقية بغاز الأعصاب، ورجّحت أنه “السارين”؛ ما تسبب بمقتل المئات.

 

بعد مرور 25 يومًا على تاريخ الجريمة المروّعة، أي: في 16 أيلول/ سبتمبر 2013، قالت لجنة التفتيش الدولية في تقرير لها: إن صواريخ أرض – أرض قد حملت عبوات غاز السارين في وقت تتلاءم فيه درجة الحرارة مع حركة الهواء؛ بحيث ينتشر على سطح الأرض، ليقتل أكبر عدد ممكن، بين الساعة الثانية والخامسة صباحًا.

بعد صدور هذا التقرير صرّح الأمين العام للأمم المتحدة (بان كيمون) بأنه يجب تقديم المسؤولين عن هذه الجريمة الخطِرة إلى العدالة في أقرب وقت، وقال: “إن الأسد يجب أن يُحاسب على جرائمه”.

 

كان البيت الأبيض قد نشر تقريرًا عن الاستخبارات الأميركية، أكد فيه أن النظام السوري هو المسؤول عن ذلك الهجوم في الغوطة الشرقية، موضّحًا أن معلومات كانت بحوزة الاستخبارات الأميركية تُفيد بأن أشخاصًا معيّنون، يعملون مع “مركز الأبحاث والدراسات العلمية السورية”، كانوا قبل ثلاثة أيام يُحضّرون تلك الأسلحة، وكانت المجموعة المعنية بذلك موجودة في ضاحية عدرا، منذ تاريخ 18 آب/ أغسطس، في منطقة يستعملها النظام لمزج المواد الكيماوية كغاز السارين، وأشارت إلى اعتراض رسائل إلكترونية، وصور من أقمار صناعية، تكشف عن التحضير للهجوم.

 

أوباما يحذر والأسد يُنفّذ

اللافت في الموضوع أن النظام السوري قد استعمل السلاح الكيمياوي، في التاريخ نفسه الذي كان قد حذّر فيه الرئيس الأميركي، باراك أوباما، قبل عام من استخدام هذا السلاح، وذلك في 20 آب/ أغسطس 2012، حيث قال أوباما: “إذا بدأنا نرى نقلًا أو استخدامًا لكميات من المواد الكيمياوية، فذلك سيغير حساباتي ومعادلتي”، وقال أيضًا: “إننا نراقب الوضع عن كثب، ووضعنا خططًا عدّة، كما أبلغنا -بوضوح وحزم- جميع القوى في المنطقة أن هذه القضية خط أحمر بالنسبة إلينا، وستكون لها عواقب هائلة”.

 

تتالت -أيضًا- الاتهامات الأوروبية حينها، وأكّدت ضرورة محاسبة الجاني، واعتقد السوريون المنكوبون أن العالم قد بدأ يأخذ زمام المبادرة للدفاع عن القيم الإنسانية، التي دفعت البشرية لأجلها ملايين القتلى في حروب عبثيّة، آخرها حربان عالميتان، حتى تصل إلى درجة رقيّها المفترضة، ولم يُدرك كثير من السوريين الطيبين الذين علت أصواتهم لأجل أن يدافعوا عن كراماتهم وينالوا حرّيتهم من نظام جائر، لم يُدركوا أن أحلام الشعوب لا تتقاطع مع أنانية السياسة وحسابات المال، ومع هدير الطائرات وسرعة الصواريخ وقاذفات اللهب والغاز والانشطار القاتل، ولا مع خيال العقل المريض الذي يتفنن بابتكار أساليب القتل، عوضًا عن مساحات الحياة.

 

أسرع وزير خارجية روسيا الاتحادية، سيرغي لافروف، باتصالاته الدولية، وألمحت الإدارة الأميركية على لسان وزير خارجيتها إلى صفقة تسليم الكيماوي من قِبَل النظام السوري؛ كي يتجنب ضربة عسكرية، ودخل الوسطاء والمهرّجون في سيرك المساومات والبهلوانيات الإعلامية، فتلقف لافروف الكلمات وأعلنت روسيا مبادرتها، وأعدّت مراسم التسليم والاستلام، ولم يعد أحد يتذكّر أعداد الضحايا أو آلام ذويهم، بل فتحت الصفقة مجالًا للأسد؛ ليُلقي على شعبه أسلحة تؤدي الغرض ذاته، ولا تثير حساسية الرأي العام؛ فكان ابتكار البراميل التي تحوي الخردة كشظايا مع كمية كبيرة من البارود، لتدمّر وتفتك كأسلحة دمار شامل وبالعشوائية ذاتها، فنام العالم على جريمة القرن، وأدخل السوريين في متاهة تفاوض عبثي، ولم ينس الوزير الأميركي، عراب هذه المرحلة السياسية مع لافروف، أن يشكر الأسد بعد تسليمه للأسلحة الكيماوية، حين قال: “أعتقد أن هذا الأمر نقطة تسجّل لنظام الأسد، بصراحة هذه بداية جيدة، ونحن نُرحّب بالبداية الجيدة”، وليؤكد إعجابه وتقديره لما جرى أضاف: “أعتقد أن هذه خطوة جديرة بالتقدير لنظام الأسد في استجابته سريعًا”.

ضحايا الكيماوي ينتظرون القصاص لهم

قدّم ناشطون وحقوقيون تقارير مختلفة بعد ذلك التاريخ، أكّدت استخدام النظام السوري أسلحة كيماوية أخرى كغاز الكلور، وحتى المبعوث الأممي، ديمستورا، صرّح الأسبوع الماضي بأن هنالك “أدلة وافرة” تؤكد تعرض المدنيين في مدينة حلب إلى قصف بغاز الكلور السام، ووصف ما حصل بأنه “جريمة حرب”، دون أن يكون هناك أي إجراء ملموس على الأرض؛ لوقف استخدام المزيد من هذا السلاح الفتّاك.

حتى الآن لم يجد ضحايا السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية غير التقارير الإعلامية تشير إليهم، ففي الذكرى الثالثة لتلك الجريمة، ما زال المجتمع الدولي يتهرّب من مسؤولياته، وما زال المدنيون السوريون عرضة لكل أنواع الأسلحة الفتاكة، لتعلن روسيا -أخيرًا- أنها ستستقدم بضعة قنابل نووية إلى قاعدة حميميم على الساحل السوري، وكأن قرارًا بالقتل العمد عن سابق إصرارٍ وتصميم بحق سورية، قد اتُّخِذ بتوافق دولي، والأسد أداة له.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق