سورية الآن

روسيا وتركيا وتبدل التحالفات

أثار استخدام روسيا قاعدة همدان الإيرانية لضرب المعارضة في سوريا، سجالًا غريبًا بين موسكو وواشنطن، كما في إيران. وتكمن الغرابة في الجدل أن يتناول “قانونية” هذا الإجراء و”شرعيته”، على الرغم من أن الوضع الميداني في سوريا شهد أولًا كل أنواع الجرائم والانتهاكات على يد النظام، وما لبثت التدخّلات الدولية أن مارستها كلّها وزادت عليها. وقد أدّت توافقات ضمنية أو اتفاقات موضوعية بين المتدخّلين إلى تبادل تمرير تلك الانتهاكات والسكوت عنها. ويتعامل الروس والأميركيون وكأن حسابات النقاط بينهم بدأت في سبتمبر 2015، مع البداية الرسمية للتدخل الروسي المباشر، أما الأعوام السابقة التي قتل فيها ما يقارب أربعمائة ألف إنسان فلا أحد يتحمّل مسؤوليتها، إذ إن روسيا تبرّئ النظام، وأميركا لا تبدي حماسًا لمحاسبته بدليل أنها باتت تعتبر “بقاءه” مقبولًا، وإنْ لفترة قصيرة غير محدّدة، أي أنها يمكن أن تطول.

 

لم يسأل ناطق الخارجية الأميركية لماذا تطلق روسيا أصلًا أحدث قاذفاتها من طراز “توبوليف” ومقاتلاتها من “السوخوي” لقصف مواقع في سوريا، طالما أنها تتحدّث مع أميركا عن “هدنة قابلة للاستمرار” بغية استئناف مفاوضات جنيف للحل السياسي. بل قال إن الخطوة الروسية “مؤسفة لكنها ليست مستغربة”، مبديًا الاهتمام باحتمال أن تكون موسكو “خرقت” حظر الأسلحة المفروض على إيران، ولأن الأمر “يتطلّب تحليلًا قانونيًا دقيقًا جدًا” فإنه لن يعطِ رأيًا حاسمًا. وردّ ناطق وزارة الدفاع الروسية بأن الضربات الجوية للتحالف الدولي الذي تقوده أميركا في سوريا انطلاقًا من قاعدة إنجيرلك التركية “تتنافى وميثاق الأمم المتحدة”. أي: همدان مقابل إنجيرلك، وللمهمة نفسها، ذاك أن طهران برّرت إعارة القاعدة الجوية للروس بـ “تعاون استراتيجي وضروري في الحرب ضد الإرهاب”… ولكن الغارات الروسية لم تستهدف أي موقع إرهابي معروف، بل ركّزت كالعادة على مواقع فصائل المعارضة.

 

قبل ذلك وبعده، ولأعوام مضت، لا واشنطن ولا موسكو طبعًا وجّهت أي نوع من الانتقاد للدور الإيراني وكيف أنه حوّل الأزمة في سوريا إلى صراع مذهبي، من خلال توريط “حزب الله” اللبناني، وكيف دفعها بالتالي إلى أقصى التصعيد والتعقيد. فهل كان لهذا التدخّل أي أساس “قانوني” أم أن السكوت الأميركي كان ضروريًا آنذاك لإنجاح طبخة الاتفاق النووي، واستمرّ ضروريًا بعده تملّقًا لإيران في “تطبيع” صعب المنال.

 

غير أن المفاجأة الهمدانية سلّطت الضوء على إشكالات أخرى، إذ أسف الناطق الأميركي لأن روسيا “تواصل تعقيد وضع خطير بالفعل في حلب”، فيما قالت وزيرة القوات الجوية في الجيش الأميركي إن شنّ هجمات روسية من قاعدة جوية إيرانية يزيد من “تعقيد بيئة معقدة للغاية بالفعل”، مشيرةً إلى ضرورة “التنسيق على مستوى أوسع” من أجل سلامة الطلعات الجوية. فما الذي تعقّد فعلًا؟ الأرجح أن موسكو لجأت إلى هذه الخطوة بسبب تلكؤ واشنطن في حسم خياراتها بالنسبة إلى التنسيق الاستخباري والقيام بحملات مشتركة، خصوصًا أن المحادثات تدور منذ أسابيع وسط تناقضات شبه علنية بين الخارجية والبنتاغون. ولا بدّ أن واشنطن ستجد الآن مزيدًا من الصعوبة في التقدّم في هذه المحادثات بعدما أصبح هناك حيّز إيراني غير متوقّع، بل لا بد أنها تقوّم الوضع للتدقيق في ما إذا كان التقارب الروسي- التركي هو ما سهّل لبوتين تفعيل تحالفه مع إيران.

 

الواقع أن ما يُسمّى حاليًا “تفاهمًا ثلاثيًا” (روسيًا – إيرانيًا – تركيًا) يبدو ماضيًا بسرعة إلى اتخاذ شكل “محور دولي- إقليمي”، أضفت عليه تركيا بُعدًا تعدّديًا. وليس واضحًا بعد ما إذا كانت واشنطن ترتاح لهذا المحور باعتبار أنه يخدم استراتيجية استقالتها من الشرق الأوسط، أو أنها ترتاب فيه كونه يتبلور بمعزلٍ عنها. كانت طهران وضعت تسهيلاتها للطائرات الروسية “في إطار التعاون الرباعي بين إيران وروسيا وسوريا والعراق”. وعلى رغم أن هذا “الإطار” مجرّد عنوان منسي وغير فاعل، وأن المساهمة العراقية فيه غير معروفة (أهي المليشيات المقاتلة في سوريا، أم “الحشد الشعبي” الذي يشوّش على محاربة الإرهاب في العراق؟)، إلا أن روسيا حاولت سابقًا ضمّ تركيا إليه وكان رفضها سببًا لتوتّر واستفزازات انتهت إلى إسقاط “السوخوي” والقطيعة بين أنقرة وموسكو. لن يكون مفاجئًا الإعلان بأن الإطار صار خماسيًا، فهو يشكّل إخراجًا لـ”نصف التطبيع” الذي تفضّله تركيا مع النظام السوري، أما الهدف منه فهو معروف: محاربة الإرهاب… أليس كذلك؟

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق