سورية الآن

سورية.. مأساة إنسانية

يوم الخميس الماضي ماتت “كاتي”، كلبة أسرتنا المحبوبة، عن عمر ناهز 12 سنة، وكان حزني عليها شديدًا. وقمت بنشر نعي لها على مواقع التواصل الاجتماعي تلقيت على إثره سيلًا من التعازي المؤثرة.

 

وفي اليوم نفسه الذي ماتت “كاتي”، تصادف أنني نشرت عمودًا يدعو إلى مضاعفة الجهود الدولية لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا، والتي أدت إلى مصرع 470 ألف شخص حتى الآن. وهذا العمود تلقى بدوره سيلًا من التعليقات والتعقيبات، معظمها كان مغلفًا بنوع من اللامبالاة القاسية، متمثلة في السؤال:

لماذا يتوجب علينا مساعدة هؤلاء القوم؟

الردود على نعي “كاتي” وعلى كارثة الشعب السوري، كانت متفاوتة، حيث عبر بعضها عن حزن عميق لموت كلبة أميركية بسبب تقدمها في السن، بينما عبّر بعضها الآخر عن مشاعر قاسية حيال ملايين الأطفال السوريين الذين يواجهون خطر المجاعة والقصف. قلت لنفسي بعد أن قرأت التعليقات والردود: ليتنا كنا نقدر الأطفال في حلب كما نقدر كلابنا!

 

لمدة خمس سنوات، وقف العالم مشلولًا إلى حد كبير، وهو يرى الرئيس السوري بشار الأسد يذبح شعبه، ويرعى في الآن ذاته صعود تنظيم “داعش” ومذابحه. وهذا ما دعاني للقول في عمودي المنشور الأسبوع الماضي، إن سلبية باراك أوباما كانت أسوأ خطأ ارتكبه على الإطلاق، وإنها تلقي بظلال داكنة على تركته.

 

أثار العمود قدرًا من الرفض الحاد من جانب القراء، ولهذا السبب دعوني أتفاعل مع الحجج التي أثارها القراء:

كتب قارئ من سانت لويس يقول: “ليس هناك شيء في دستورنا يقول إننا مكلفون إنقاذ العالم من المعتوهين الذين يعيشون فيه”، وأضاف: “لا أستطيع رؤية أي فائدة في تبذير ما يقارب تريليون دولار في محاولة لإعادة بلد ممزق إلى ما كان عليه مرة أخرى”.

 

أتفق مع من يقولون إنه ليس بمقدورنا حل جميع مشكلات العالم، لكن ذلك لا يعني ألا نحاول حل أي مشكلة من تلك المشكلات. فهل كان الرئيس الأسبق بيل كلينتون مخطئًا حين قرر التدخل في كوسوفو لتجنب حدوث مذبحة هناك؟ وهل كان أوباما مخطئًا عندما أمر بتنفيذ ضربات جوية بالقرب من جبل سنجار لإنقاذ اليزيدين من مذبحة مؤكدة؟

 

أتفق مع وجهة النظر القائلة أننا لم نكن مضطرين إلى إرسال قوات أرضية إلى سوريا، وإنفاق تريليون دولار، لكن لماذا لا نقوم على الأقل، كما يقترح بعض الخبراء، بإطلاق صواريخ من خارج سوريا لتدمير ممرات المطارات العسكرية ومنع الطيران السوري من الطيران؟

يبدو أن الجمهور الأميركي قد استنتج خطأ من التجارب السابقة أن التدخل العسكري لا ينجح أبدًا، بدلًا من أن يستخلص الدرس المعقد القائل إن التدخل العسكري، كأداة خشنة ومكلفة، يمثل وسيلة ذات سجل مختلط، أي متراوح بين النجاح والفشل.

 

صحيح أن حرب العراق مثلت كارثة، لكن منطقة حظر الطيران في شمال العراق بعد حرب الخليج الأولى، حققت نجاحًا كبيرًا. وصحيح أن حرب فيتنام كانت كارثة مروعة، لكن التدخل البريطاني في سييراليون العام 2000 حقق نجاحًا رائعًا، وصحيح أن أفغانستان كانت وما زالت تمثل ورطة، لكن الضربات الجوية ساعدت على إنهاء مذابح البلقان.

 

وحتى لو كنا قد تجنبنا استخدام الأدوات العسكرية، فما العذر الذي يبرر لنا عدم بذل محاولة أكثر جدية لتوفير التعليم المناسب لأطفال اللاجئين السوريين، في البلدان المجاورة لسوريا مثل الأردن ولبنان؟
لا بد لي هنا من الإقرار بأن تدمير ممرات الطيران أو فرض منطقة آمنة، بل وحتى تعليم الأطفال اللاجئين، قد لا ينجح كما هو مأمول، وأن أوباما على حق في تخوفه من المنزلقات الخطرة. لكن علينا أن نضع هذه المخاوف في كفة ميزان واحد، وفي كفته الأخرى حياة مئات الآلاف من الأطفال، خصوصًا بعد تأكدنا من أن هناك مذبحة تجري في سوريا حاليًا.

 

ومن الأسباب التي جعلت المذابح السابقة تبدأ وتستمر، دون تدخل خارجي لإيقافها، أنه لم تكن هناك أبدًا أداة سياسة مثالية متاحة لإيقاف تلك المذابح. وهناك سبب آخر هو أن ضحايا تلك المذابح لم يكونوا “يبدون مثلنا”، فهم أما من أتباع دين آخر أو سود البشرة، أو كما في الحالة السورية، سوريون، لذلك آثرنا الابتعاد وعدم تقديم يد العون لإيقاف القتل.

لكن الإنسان هو الإنسان، وبالتالي لا يليق بنا إنسانيًا أن نوصد قلوبنا، ونقول إن الضحايا ليسوا مثلنا وإنما هم “آخرون”. وبالنسبة للمأساة السورية على وجه الخصوص، هل يجوز لنا القول ونحن نرى وقائع المذبحة تجري أمامنا: “إنها مشكلة عربية وعلى العرب العمل على حلها”.. أما نحن فلا شأن لنا بها!

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق