هموم ثقافية

المؤسسات الثقافيَّة في القامشلي, أفكار واسعة وتمويل ضعيف

لم يدع النظام السوري مجالًا لأيّ حركة ثقافية سوى التي كانت على مقربةٍ منه، أو لسانًا ناطقًا لحال حزبه الحاكم، إلّا أن الأوضاع في الرّاهن تغيَّرت بالمجمل، لعل من أبرز الأسباب إعادة هيكلة المجتمع السوري، من خلال إعداد المنظمات المدنيَّة؛ لزيادة فاعليَّة ونشاط المجتمع أكثر وإخراجه من سنوات الركون، لكن على الطرف الآخر برزت صعوبات كثيرة، اعترضت طريق تلك المؤسسات الثقافيَّة الحديثة النشأة وجعلت من تأسيسها همًّا لدى بعض الشبَّان الذين رفضوا الهجرة خارج البلاد، والعمل في الداخل، في أقسى الأوضاع، وأقلّ الإمكانات الماديّة المتوفّرة.

 

مساحات أفكار واسعة وضعف تمويل

“دعم المؤسسات بالمجمل نادر جدًا، ولا يفي بالغرض، وإن صدف ووُجد الدعم، فلن نعثر على من يمتلك المؤهّلات الأساسيَّة للعمل الثقافي في الوقت الحالي، بسبب التجاذبات السياسيَّة، واختلاف الآراء بين كل المكوِّنات، أعني أنْ لا استقلاليَّة في الموضوع، الأمر الذي أثّر -بدوره- على سير العمليَّة الثقافيّة الحقيقيَّ” يقول عباس علي موسى، محرر في مجلَّة “سورمَي – النبيذ الأحمر” الثقافيَّة التي تصدر في مدينة القامشلي: “بالمجمل يمكن وصف حالة الركود الحاليَّة بالنسبة لإنشاء مؤسسة ثقافيَّة في مناطقنا بـ (الشلل التامّ)، ومردّ ذلك أسباب عديدة، لعلّ أهمها ضعف الإمكانات الماديَّة التي تمكّن القائمين على العمل من المضيّ في النشاطات، أو طباعة الكتب، أو تخصيص أيَّام لقراءات ثقافيَّة عن الوضع الحاليّ، إضافةً إلى عدم توفّر الأرضيَّة الممكنة للبدء بمؤسسة ثقافيَّة قد تكون ضحيَّة للأوضاع السائدة”، ويضيف: “لم نشهد أيّ حركة ثقافيَّة تُذكر في المنطقة الكرديّة، فبالمقارنة مع المؤسسات الإعلاميَّة، نرى أن الوضع مختلف جدًا، حيث باتت المؤسسات الإعلامية كثيرة، وخاصّةً تلك التي تركّز على الوضع المعيشي أو الوضع السياسي؛ وبالتالي رَكْن الثقافة جانبًا، على أنّها شيء يمكن إدراجه في خانة الرفاهيّة التي لا تخدم الأحداث الحاليَّة، وهذا أكبر خطأ في اعتقادي”.

 

ضعف ثقافة

وتُرجع الناشطة المدنيّة روجين حبّو، سبب قلّة المشاريع الثقافيَّة إلى “أن أغلب المنظمات العاملة في المدينة تكون منفّذة للموضوعات المطروحة من قبل الجهات المموِّلة، وحتّى تلك المنظمات التي تعمل على تمويل محليّ، نجد أعمالها ونشاطاتها محصورة في الأمور الآنية، مثل تنظيف المدينة أو حملات لتوزيع منشورات حول موضوعات معيَّنة؛ معيشية يوميَّة، أو متعلقة بالصحة العامة، وغيرها من الموضوعات التي تكون ظاهرة للعيان، والسبب في ذلك ضعف الثقافة بشكل عام، أو بالأحرى ضعف الثقة بإمكانية أن تقوم المشروعات الثقافيَّة بتحقيق تغيّر ملموس في بنية المجتمع”.

 

الإغاثة أهمّ من الثقافة

ويتحدّث الناشط المدني وعضو منظمة “شار للتنمية”، بيروز بريك، عن بناء سياسات الجهات الداعمة للمشروعات الخاصة بالشأن السوريّ، بأنها متعلّقة بـ “الواقع الناتج عن الحرب، واستجابة لأولويات تتبناها مصادر التمويل الأساسية، العائدة إلى مكاتب متخصصة في وزارات الخارجية للدول المانحة، وأكثر الملفات التي تخصص لها التمويلات الضخمة هي ملفات الإغاثة، وأخيرًا، باتت المشروعات التنموية الاقتصادية تتلقى تمويلات جيدة، قياسًا على ما كانت عليه ما قبل العام 2015، إذ كانت تُصرف موازنات كبيرة على مسائل، من قبيل العدالة الانتقالية وبناء القدرات، وفض النزاع وبناء السلام، وقضايا الجندر والمشاركة السياسية والاجتماعية للمرأة. وبناء على ما سلف، قلّما تجد مشروعًا ثقافيًا مصممًا بهدف تنمية الثقافة -بحد ذاتها- دون أن تدرج تحت أي برامج ومسميات أخرى لها علاقة بمنعكسات الحرب والتحولات الاجتماعية أو الاقتصادية الحاصلة بسبب النزاع.

 

الخوف القديم

تقول الإعلامية زينة إبراهيم: ” في الوقت الرّاهن من يستطيع جلب تمويل، فإنّه يفضّل تمويلًا أو دعمًا لمنبر إعلامي على أن يؤسس مركزًا ثقافيًا أو دار نشر، والسبب -بكل تأكيد- أنّ الإعلام هو المؤثر الأكبر على الساحة السوريّة، على الرغم من تسييس هذه المنابر الإعلاميَّة، لكن هذا هو الواقع، وفي الوضع الراهن تغيرت أولويات المواطنين أيضًا؛ بسبب الصراع وموجات النزوح المتكرر والوضع النفسي السيئ للجميع، إضافة إلى أنّ عهد الأسد، وعلى مدار سنواتٍ طويلة، كان يهمّش دور المؤسسات الثقافية وقصر الثقافة على فئة معيَّنة من الناس؛ ما أدّى إلى هروب العديد من المثقفين إلى خارج سورية، حتّى قبل اندلاع الثورة، وتدهور الأوضاع بشكلٍ عام”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق