تحقيقات وتقارير سياسية

الحوار العربي – الكردي وتحديات مواجهة الإقصاء والتعصّب

كلما اقترب التعصب، القومي أو الطائفي أو المذهبي، ابتعد العقل والمنطق، وكثرت الأصوات الغريبة اللا عقلانية، وأتاحت شبكات التواصل الاجتماعي العلوّ لكل الأصوات ، الجادة والرصينة منها، والسطحية والسلبية أيضًا، ويتجلى ذلك بشكل واضح في تناول تلك الأصوات للفعاليات والجهد الجادالساعي إلى إيجاد حلول للمشكلات الفكرية والسياسية والاجتماعية السورية التي تتراكم وتزداد يومًا بعد يوم.

 

ورشة العمل التي أقامها مركز حرمون للدراسات المعاصر في العاصمة الألمانية برلين الأسبوع الماضي، حول القضية الكردية في سورية، والتي حرص المركز على أن يحضرها باحثون ومثقفون وسياسيون سوريون، عرب وأكراد، من أجل نقل الجدل النظري حول القضية الكردية إلى صوغ تصوّرٍ وطني سوري متوازن تفصيلي، قابل للتنفيذ لمعالجة هذه القضية على أسس وطنية عادلة، في سورية الموحّدة أرضًا وشعبًا ومصيرًا، كانت مثالًا على الاستفزاز اللا مسؤول لرواد وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى المهاترات “الافتراضية” المجانية.

 

جاء في التقديم لورشة العمل أن اللقاء “يسعى للتميز بطابع عملي تنفيذي، وتجاوز عقلية المحامي السائدة، حيث يتبارى كل من الطرفين، الكردي والعربي، في إثبات أنه على حق، وأن الجانب الآخر على خطأ، والانتقال إلى عقلية الشراكة العادلة، التي تبحث عن المشتركات، وتبني عليها، للوصول إلى تفاهمات حول القضايا المختلف عليها، انطلاقًا من واقع أن إبراز النقاط المشتركة العديدة، ينتج مناخًا إيجابيًا للحوار، يساهم في تقريب وجهات النظر حول القضايا التي تتباين حولها الآراء والمواقف”.

 

سرعان ما بدأت ردود الأفعال تصدر على ورشة العمل هذه، وعلى الحوارات الموضوعية والنقاشات الصريحة التي تخللتها، والتي خلت من المهاترات والاتهامات والأهواء الشخصية، وكذلك كثرت الاتهامات الناتجة عن سوء فهم مسودة (مصفوفة الحل) المقترحة كحل من الحلول الممكنة للقضية الكردية في سورية.

 

انبرى رواد شبكات التواصل الاجتماعي يُحلّلون وينتقدون، وهو أمر طبيعي وصحي لا غبار عليه، لكن المشكلة أن الكثير منهم راح يلقي الكلام على عواهنه، ويهرف بما لا يعرف، وعلى الرغم من أن ورشة العمل هذه استطاعت تحريك المياه الراكدة، واستجلاء الأفكار والرؤى والمقترحات، وفتحت الباب واسعًا للمساهمات، بهدف تنظيم العقد السوري الذي مزقته عقود طويلة من الاستبداد، وهشمته الحرب التي أعلنها النظام على السوريين منذ أكثر من خمس سنوات.

 

تعالت الأصوات الرافضة للحوار من الجانبين كليهما، مُدينًة مرة، ومتهمًة مرات، ومستخدمة خطابًا أقل ما يوصف بأنه (شعبوي)، فيه الكثير من الشحن القومي والمناطقي، والكثير من التحامل والسلبية، وهو إن دلّ على شيء، فإنه يدلّ على مستوى غير واع للكثير من رواد هذه الشبكات الاجتماعية، السطحيين الذين يتخذون قرارات ومواقف قبل أن يقرؤوا ويفهموا التفاصيل.

 

من أمثلة ذلك ما قاله أحد المعلقين الأكراد “هكذا كانت زبدة (الخض) والمخاض السوري”، مستهجنًا إطلاق تسمية (الأكراد) بدلًا عن (الكورد)؛ لأنّ ذلك يُعدّ انتقاصًا “لغويًا”، على الرغم من أنه يقول في نهاية منشوره: “لا يعيبني إن أخطأت في الكتابة بلغة هي ليست لغتي الأم”، وهو لم يفهم من كل ورشات العمل، وعشرات المداخلات لمفكرين ومثقفين وباحثين، سوى هذه الجزئية اللغوية، التي لا يفقهها -بالأساس- وفق اعترافه.

 

أما جماعة “بلها واشرب من مياهها”، فلم يبتعدوا أكثر في رؤيتهم، رافضين -حسب زعمهم- إعادة إنتاج حزب البعث من جديد! في ضحالة فكرية لا حدود لها، وسذاجة في التحليل والاستقراء، وبعد (الشتيمة)، ينتقلون دون مقدمات للتأكيد على أن المظلومية التي تسببها البعث والنظام من خلفه “لن تتكرر ولن تعود”، متناسين -أساسًا- أن ما مارسته قيادات البعث المختلفة، منذ عام 1963 وحتى اليوم، دفع ثمنها العرب والأكراد على حد سواء، والـ “المظلومية” ليست كرديًة فحسب، بل هي سورية بامتياز، لكن عندما تتحول المظلومية إلى بندقية بوجه شركاء الوطن، وحجّة لرشق الآخر، عندها يحق للمتابع أن يتساءل عن جدّية النيات والأهداف.

 

أما التعصب الأعمى، فيظهر في تعليق على فقرة وردت في مصفوفة الحل تقول: “عدم التمييز بين مكونات الشعب السوري، يتمتعون بجميع حقوق المواطنة التي يتمتع بها بقية السوريين”، حيث علّق أحدهم بالقول: “شو يعني بقية السوريين.. يعني لما بشوف حدا مو كردي بقولو أنا كردي وهو بيقلي أنا باقي… يعني إذا بعنا واحد كردي بيعطونا واحد عربي وبيبقالنا عندكم واحد تركماني”، ثم يقوم بتذكير (من تُسوّل له نفسه) بأن الأكراد يمتلكون جيشًا قويًا صنديدًا مغوارًا، وأيضًا عقائديًا!

 

كذلك قال شخص ادّعى أنه ناشط وسياسي كردي، “لو كنت حاضرًا في ندوة الحوار- العربي الكردي في برلين لقلت بكل بساطة وشفافية ما يلي: لا أريد الانغراس في الجانب التاريخي عن الوجود الكردي في سورية وحول كردستان سورية، لا نثق بمعلوماتكم ودراساتكم، ولا أنتم تثقون بمعلوماتنا ودراساتنا”، واستخدم الإقصاء المُطلق لكل الأفكار والأشخاص، دون أن يُفكّر -للحظة- بأن من اجتمعوا في برلين هم من تيارات سياسية وفكرية وحزبية كردية مختلفة، كانوا رقباء على ما طُرح، وانتقدوا ما لم يعجبهم، وأثنوا على أي توافق جديدـ صغيرًا كان أم كبيرًا.

 

كثير من رواد شبكات التواصل الاجتماعي استخدموا الاضطهاد كحجة وحيدة لهجومهم، وأطلقوا الأحكام العنيفة والسيئة، المتخلفة والرجعية، الإقصائية والعنصرية، فضلًا عن كلمات من قاموس شتائمهم، مطلقين أحاكمهم المُطلقة التي يجب على التاريخ “حفظها”، وفق رأيهم، أحكام غير قابلة للنقاش البتة.

 

بعض العرب -كذلك- كانوا على درجة الحدّة نفسها والتشدد، وأحياناً الظرافة، فالاشتباه والمؤامرة والشبهة والاتهامات السلبية الأخرى كانت جاهزة، وإلغاء الآخر وتحطيمه وإقصاؤه كان أسهل من جرة قلم بالنسبة لهم.

ومع ذلك، فإن الثورة السورية أفرزت شرائح من الشباب الواعي المثقف الثوري، المتوازن والمعتدل، المتسامح والمُتفهم، الذي يمكن الاعتماد عليه في بناء سورية المستقبل، ونقلها إلى دولة المواطنة الأصيلة، لكنها أفرزت -كذلك- عقليات متشنجة عنصرية شوفينية إقصائية ضلالية، عقليات لا تنفع لبناء وطن يعيش ثورة حرية وكرامة، ولا يمكن أن تقف في وجه استبداد طال سورية من أقصاها إلى أقصاها، وحرم سكانها من حاضرهم ومستقبلهم، ومع أن هذه الإفرازات سوداء كعقول أصحابها، إلا أنه لابد من الاعتراف بأنها ميّزة من ميزات الثورة أيضًا؛ كي يتمكن السوريون من كشف الشرائح التي تساهم في منع انتصار الثورة، وتهدم الجسور بين السوريين، وتبني الجُدُر بينهم، وتخفي الحقائق وتبتعد عن العقل وتُرحّب بالجنون والغرائزية، وتحتفي بالشوفينية القومية، والتطرف الطائفي والمذهبي، والتي ستسقط مع سقوط النظام، وتنتهي مع وضع أول لبنة في دولة المواطنة والديمقراطية والحق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق