أدب وفنون

التراث الثقافي السوري والصراع القائم

في واحد من أوسع التقارير المتخصصة وأكثرها تفصيلًا، أصدر مركز دراسات الآثاري السوري (مدماك) تقريرًا مُطوّلًا حول ما أصاب التراث الثقافي المادي السوري من تخريب وتدمير خلال الخمس سنوات الأولى من الحرب، وكشف عن تعرض الآثار السورية للقصف والحفر والتخريب والسرقة، بينما نشطت عصابات تهريب الآثار وتزويرها، وشدد على أن وقع الأحداث الجارية على التراث الثقافي السوري كان كبيرًا للغاية.

 

قدّم التقرير الواقع في 320 صفحة، موجزًا توثيقيًا لما جرى للمواقع الأثرية السورية والمباني التراثية بين عامي 2011 و2015، من ضرر وانتهاك وتخريب وتعدٍّ، بناء على متابعة وأرشفة معظم ما تم نشره خلال السنوات الخمس السابقة، واعتمادًا على العديد من التقارير المكتوبة والمرئية والصور التي تم الوصول إليها أو التي نُشرت من قبل جهات مختلفة متخصصة أو مهتمة، علاوة على التواصل مع أفراد داخل سورية للتأكد من المعلومات الواردة في التقرير.

 

اعتمد التقرير على التقسيم الجغرافي في عرض المعلومات، وفصّل السرقات الموثقة وأسهب في توصيف المتاحف والمباني الأثرية المُتضررة والمُنتهكة، وأنجز القائمون عليه مجموعة من الخرائط التوضيحية ذات الصلة والتي تُسهّل في رسم صورة “بانورامية” للأضرار التي لحقت بالتراث الثقافي المادي السوري.

 

تجاوز عدد بعثات التنقيب في سورية -قبل الثورة- 125 بعثة أثرية، وكان فيها 36 متحفًا في مختلف المدن السورية، غير أن السلطات السورية أهملت -بشكل عام- السياحة الثقافية والأثرية، ولم تحرص على صيانة وترميم الآثار القديمة أو حمايتها، وكان كثير من المواقع الأثرية يفتقد للحد الأدنى من البنى التحتية، بما فيها أهم هذه المواقع وأشهرها، كتدمر وبصرى.

 

 

خمسة عوامل دمّرت آثار سورية

بعد بدء استخدام قوات النظام المواقع الأثرية كمعسكرات لها، واستهداف المباني القديمة، ذات الأهمية التاريخية، بالقصف الجوي من النظام؛ بسبب احتماء بعض المسلحين بها، أجمل التقرير الأضرار التي هددت، وتهدد التراث الثقافي المادي السوري بخمسة عوامل أساسية:

1 ـ تحوّل المواقع الأثرية السورية إلى مواقع عسكرية، أو أماكن تجمع لقوات عسكرية، أو متاريس، أو مخازن ذخيرة، ما جعلها ساحات للمعارك، وعرضة للاستهداف المباشر بالقصف أو بالتفجير من قبل الأطراف المتصارعة.

2 ـ عمليات التنقيب غير المشروع من لصوص الآثار، أفرادًا أو جماعات منظمة.

3 ـ عمليات السرقة والتهريب، التي كانت قائمة سابقًا، واستشرت؛ بسبب الفوضى السائدة التي شكلت بيئة خصبة تعمل فيها “مافيات” الآثار الدولية وشبكاتها، جنبًا إلى جنب مع اللصوص المحليين.

4 ـ عمليات التزييف والتزوير المتزايدة، وخاصة للتماثيل والفسيفساء.

5 ـ التخريب والتدمير الممنهج للآثار، على خلفية عقائدية، والذي برز بشكل واضح لدى التيارات الإسلامية المتشددة، وبشكل خاص لدى “تنظيم الدولة الإسلامية”.

ومن الصعب أن يحصر هذا التقرير، أو غيره من التقارير، حجم الخسائر في هذا القطاع في سورية، بعدما امتدت الأخطار التي تصيب التراث الثقافي المادي السوري على رقعة واسعة من مساحة سورية، ومع تحولها إلى مسرح لعمليات عسكرية واشتباكات لأطراف محلية ودولية.

وتتنوع الأضرار التي أصابت الآثار السورية، بتدمير جزئي أو كامل؛ من وجود آثار أعيرة نارية، إلى الحرائق وعمليات التخريب والتدمير المباشر.

 

كشف التقرير تعرّض موقع “أفاميا”، الواقع تحت سيطرة النظام، للحفر بشكل كامل من لصوص الآثار، إلى جانب تموضع دبابات تابعة للقوات العسكرية الحكومية في الشارع الروماني المستقيم، فضلًا عن تعرّض المدينة لتدمير جزئي؛ بفعل الاشتباكات وتبادل القصف والتفجيرات بمختلف أنواع الأسلحة، وخاصة الثقيلة منها.

 

كما سلّط الضوء على “قلعة المضيق” واستهدافها بشكل مباشر من قوات النظام السوري. وفي مدينة حلب القديمة، تم تدمير مئذنة الجامع الأموي، الذي يُعد واحدًا من أهم الجوامع الأثرية في سورية، واحتراق السوق القديم الأثري، الواقع وسط المدينة القديمة كاملًا، ومن بينها أسواق “الزرب” و”العبي”و “العتمة” و”العطارين” و”النسوان” و”الصوف” و”الصاغة” وغيرها. وذكر التقرير أكثر من 150 انتهاكًا خطِرًا للتراث المادي والمواقع الأثرية السورية، تمتد على رقعة الخريطة السورية بأسرها.

وكان سوريون مهتمون أو مختصون في مجال الآثار قد نظموا حملات كبير؛ لدفع المجتمع الدولي، أو المنظمات المعنية، لحماية الآثار السورية، وأخذوا على عاتقهم توثيق الأضرار والانتهاكات بشكل مستمر، وأسسوا جمعيات أو تجمعات أو مواقع إلكترونية وصفحات على مواقع التواصل الإعلامي، لكن كل عملهم لم ينجح في تحريك القضية على مستوى كبير، ومن هذه الجمعيات “الآثار السورية في خطر”، و”معًا لنحمي آثارنا من النهب في حال حصول فراغ أمني”، وجمعية “حامية”، ومؤسسة “التراث من أجل السلام”، ومبادرة “التراث السوري في المدارس الأميركية”، وغيرها. وقد أعدّت الكثير من التقارير حول واقع الآثار السورية، لكن كل هذه المؤسسات والجمعيات لم تستطع أن تُغيّر من الواقع شيئًا يُذكر، وبقيت حالة التراث المادي في سورية من سيئ إلى أسوأ؛ لدرجة أن نبّه مختصون إلى أن سورية ستصبح دون تاريخ وتراث، إن استمرت الحرب بشكلها الحالي.

 

سرقة الآثار وتهريبها

وأكثر ما يُهدد الآثار السورية بعد القصف والتهديم، كثرة حوادث السرقة التي تتعرض لها هذه الآثار، المُكتشفة والدفينة، منذ أن اندلعت المواجهات المسلّحة وحتى اليوم، خاصة مع ازدياد حالة الفوضى وانتشار السلاح في مختلف أنحاء سورية. وشدد التقرير على ضرورة تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية الشريكة الأخرى، للتصدي لخطر السرقة والنهب الذي قد يصيب المواقع الأثرية والمعالم التاريخية وأماكن العبادة التي تزخر بها سورية، كما نبه إلى ضرورة التيقظ الشديد لخطر الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية -في سورية والبلدان المجاورة- مع غياب شرطة الحدود وأجهزة الجمارك.

 

وتنقسم عمليات السرقة التي تتم بحق الآثار إلى نوعين بحسب مصدرها: الأولى تلك المحفوظة في مستودعات المتاحف وفي صالات العرض، والثانية الموجودة في مستودعات البعثات الأثرية؛ كسرقة متحف دير الزور ومواقع في “دورا أوروبوس” وتدمر ومتحف حماة ومعرة النعمان وغيرها. إضافة إلى تلك السرقات، هناك سرقات للآثار التي مازالت مطمورة داخل الأرض، حيث ينشط المنقبون غير الشرعيين، وتجار الآثار والعصابات، في نبش الأرض وتخريب المواقع الأثرية، بحثًا عن كنوز مُحتملة.

 

تتحصن قوى عسكرية تابعة للنظام غالبًا -وللمعارضة أحيانًا- في حرم المواقع الأثرية، واستمرار وتيرة الصراع -على ما هو عليه- ينبئ بتدمير أكبر للكثير من المواقع الأثرية السورية، خاصة أنّ من الصعب معرفة الوضع الحالي للعديد من المواقع، ولا يمكن الإحاطة بحجم الأضرار التي تعرضت لها؛ لصعوبة الوصول إلى هذه الأماكن في معظم الحالات.

 

توصيات

أوصى التقرير بضرورة تفعيل التعاون مع الشرطة الدولية (الانتربول)؛ لضبط سرقات الآثار السورية واستعادتها، وضرورة مراعاة كل الأطراف لإدارة وحماية التراث الثقافي السوري، واستعادة المفقود، وترميم المتضرر، والعمل على إصدار قوانين تُسهّل عملية تسجيل المؤسسات والجمعيات غير الحكومية المتخصصة بالآثار، داخل سورية وخارجها، بغية المساهمة في حماية التراث الثقافي السوري، وإظهار دور سورية الحضاري، حامية التراث الثقافي المادي غير المنقول، وكذلك العمل الفوري على إيقاف العمليات العسكري التي تجري في حرم المواقع الأثرية أو محيطها، وحظر استهدافها بشكل مباشر أو غير مباشر، وتجريم التحصن فيها، واستخدامها لأغراض عسكرية، من جميع القوى، وإيقاف عمليات التدمير الممنهجة، بحق أماكن العبادة التراثية، من مجموعات ذات توجهات عقائدية وأيديولوجية متطرفة، والعمل على نشر الوعي بأهمية التراث الثقافي السوري للفئات الاجتماعية النازحة المتضررة من الحرب، والتي استخدمت المواقع الأثرية والمدافن ملاذً موقتًا، وكذلك تفعيل قاعدة البيانات التوثيقية الموحدة للأضرار التي تحصل للتراث الثقافي المادي السوري، المنشأة من قبل.

 

وكذلك أوصى التقرير بضرورة تفعيل دور المجتمعات المحلية، ومراقبة أي انتهاكات تتم في المواقع الأثرية، وتفعيل العلاقات بين كافة المؤسسات المعنية بشؤون التراث الثقافي السوري، الحكومية وغير الحكومية، تحت مظلة وطنية سورية، وبمعزل عن الاختلافات السياسية الراهنة، للحد من عمليات التجارة بالممتلكات الثقافية السورية، وتكثيف الجهود -من قبل كافة الأطراف على الأرض السورية- لضبط عمليات انتقال وتهريب الآثار، والإعلان عن عمليات المصادرات التي تتم تحت مبدأ تحييد التراث الثقافي عن الصراع القائم.

 

وشدد التقرير على ضرورة الإعلان عن فقدان أو مصادرة أو ضبط أي قطعة أثرية مسروقة، وتفعيل دور المجتمع المحلي للإعلام عن أي عمليات تنقيب غير مشروعة، أو عمليات تداول للقطع الأثرية، وتفعيل القوانين الدولية في الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة وغيرهما، التي تجري على أراضيها عمليات الاتجار غير الشرعي بالآثار السورية، وبذل جهود حقيقية لملاحقة عصابات تهريب الآثار الدولية، والدعوة إلى إعلان المتاحف الدولية موافقتها على إعادة أي آثار سورية تصلها بطرق غير مشروعة بمجرد عودة الاستقرار إلى سورية. وأخيرًا، العمل على خلق تجمعات ومؤسسات -داخل سورية- تسمح بمشاركة المتخصصين والمهتمين في حماية التراث الثقافي السوري، وتأهيل وتدريب مختصين سوريين، داخل سورية وخارجها؛ للاستفادة من خبراتهم في المستقبل، لإدارة وترميم المواقع الأثرية السورية.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق