كلمة جيرون

من قتل السوريين بـ (الكيماوي)؟

في يوم واحد، بل وفي ساعة واحدة، قُتل نحو ألف وخمسمائة من السوريين، أطفالًا وشيبًا وشبابًا، بعد أن استنشقوا موادَّ كيمياوية سامّة، وهم نيام، ألقاها النظام السوري فوق رؤوسهم بهدف إبادتهم جماعيًا، عقوبة لهم؛ لأنهم لا يريدونه، ولا يريدون ديكتاتوريته وقمعه وسجونه، ولا يريدون فساده وسرقاته وطائفيته.

أسلحة كيماوية مُحرّمة دوليًا، ممنوع استخدامها في كل العالم، حتى في الحروب، استخدمها النظام السوري دون أن تطرف له عين، ودون ذرّة من الإنسانية لدى من أمَرَ وخطط ونفّذ وصمت عنها، فما جرى بالنسبة لهم أمر بسيط، مجرد إضافة صغيرة لسجلٍّ هائل من الانتهاكات والجرائم اللا إنسانية التي قاموا بها خلال أربعة عقود ونيّف.

حاول النظام التبرؤ من الفعلة “الشنعاء”، وألقى الاتهامات يمنة ويسرة، واتّهم المعارضة و”الإرهاب” و”المؤامرة الكونية”، لكن الإثباتات كانت قاطعة، والدلائل تلبّسته من رأسه حتى أخمص قدميه، واعتقد السوريون أن “يوم الحساب” قد حان، فالخطوط الحمراء اختُرقت، والإنسانية كلها قد انتُهكت.

ولأن الروح السورية هامشية في نظرهم، تناسى الأميركيون خطوطهم الحمراء، ورعت المافيا السياسية الروسية صفقة مشبوهة، ونجحت في مهمتها، فنجا النظام مقابل تسليم مخزونه من السلاح الكيماوي، أو بالأصح الجزء المُكتشف منه، ذلك السلاح الذي أعتقد السوريون أن النظام استنزف مقدرات سورية لعقود؛ ليمتلك ترسانة حربية لردع الأعداء، ليكتشفوا أنها عمليًا ترسانة لقتل أبنائهم.

تمّت الصفقة، وكان الجميع سعداء، عدا أصحاب الثورة، فابتسم الدب الروسي خبثًا، و”الدب” الأميركي تباهيًا، والإسرائيلي ارتياحًا، وضحك الإيراني ضحكة صفراء؛ لأن حليفه نجا بفعلته، واستطاع، في الوقت نفسه، إخفاء جزء عن أعين الرقباء.

السوريون وحدهم عرفوا أن مُصادرة “بعض” الأسلحة الكيماوية لن تعني الكثير، فهم خبروا النظام ككف يدهم، وعرفوا أنه سيتحول إلى استخدام أسلحة دمار أخرى يخبئها في جعبته، وهو ما حصل، فخرجت الطائرات الحربية، والصواريخ البالستية، والبراميل المتفجرة، من المستودعات، واستخدم النظام سلاح الحصار، والتجويع، والقتل المنهجي، والاعتقال، بشكل لم يسبق له مثيل في أي حرب معاصرة، مهما بلغت قذارتها.

ذكرى مأساة الكيماوي، تطرح أمام السوريين حقيقتين: الأولى تتعلق بغياب صدقيّة المجتمع الدولي، وهيمنة المصالح، ومنطق الصفقات واللعب بـ “الثلاث ورقات” على أغلب القضايا المتعلقة بالإنسان والإنسانية، والثانية تتعلق بضرورة تحديد هوية القاتل بدقّة، فكل من عرف بجريمة بشكل مسبق، وصمت عنها، وكل من حاول طمس معالمها، ومن عقد صفقة للملمتها، ومن خبأ بقايا أسلحتها، ومن حمى مُرتكبها، هو شريك فيها؛ ما يعني أن روسيا والولايات المتحدة وإيران هم شركاء في هذه الجريمة، والتي يجب أن لا تسقط بالتقادم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق