تحقيقات وتقارير سياسية

في ذكرى المجزرة، العالم لم يغادر مقاعد المتفرجين

“الماضي لن يموت، والمستقبل لن يستقيل من الذاكرة، والحاضر تكتبه أحلام الضحايا، وستبقى شهقات أطفالنا تلاحقهم، كل أولئك الذين أشبعونا ببيانات التضامن والتعاطف، ومن يتحدثون باسمنا للأسف، جميعًا عليهم أن يتعلموا الصمت في حضرة شهدائنا، ستبقى دماء شهدائنا ماثلة في وجوههم ولن يفلتوا من محكمة الضمير مهما طال الزمن”…. الكلام للناشط أبو ياسر الدوماني، في أثناء محاولته استدعاء الذاكرة ليوم سيبقى حاضرًا في وجدان السوريين؛ والزمان هو 21 آب/ أغسطس 2013، أما المكان ففي الغوطة الشرقية بريف دمشق.

هذا التاريخ سجل واحدةً من أبشع المذابح خلال العقدين الأخيرين على الأقل، والقاتل هو النظام السوري وقواته (الممانعة). تلك المجزرة التي ذهب ضحيتها أكثر من 1400 ضحية، أغلبيتهم من الأطفال، على مرأى ومسمع من العالم أجمع، لتكتفي الإنسانية بإصدار البيانات والوثائق والتقارير حول هول المذبحة وهوية مرتكبيها، والنتيجة؛ ما يزال القاتل طليقًا، يُضيف يوميًا إلى سجلات التاريخ الإنساني قاموسًا عصيًا على التعريف والفهم في القتل الممنهج؛ لتمسي مأساة السوريين حبيسة أدراج الإنسانية المعطوبة، وأسيرة لعبة المصالح وتقاسم مناطق النفوذ.

أبو محمد الدمشقي، أحد الناجين من تلك المذبحة، وفي حديثه بعد ثلاثة أعوام قال لـ (جيرون): “لقد كان يومًا عصيًا على النسيان، ونتمنى لو ننساه، كانت مجزرةً بلا دماء، مئات الأطفال والنساء قُتلوا خنقًا وهم نيام، لا ذنب لهم سوى أنهم اختاروا البقاء في منازلهم، على الرغم من كل أنواع القصف والتدمير، والمذبحة مستمرة حتى اليوم بأدوات ووسائل مختلفة، والعالم مازال متفرجًا، ربما لم يُشبع غرائزه المريضة، بعد ثلاثة أعوام ما الذي تغير؟ هل حرك العالم ساكنًا؟ على الإطلاق، التخاذل الدولي والعربي تجاه مأساة السوريين هو العنوان الأبرز، نحن لا نريد شيئًا، نتمنى إنصاف أطفالنا الذين يذبحون يوميًا فحسب، أعتقد أنه بات لزامًا علينا إصدار شهادة وفاة باسم الضمير العالمي ووجدان الإنسانية”.

محمد أبو كمال، ناشط إعلامي وأحد شهود المذبحة الأحياء، وثّق في ذلك اليوم 450 شهيدًا، دُفنوا معًا في مقبرة داخل بلدته (حمورية) ، قال: “لحظات لن تُنسى، كانت سيارات الإسعاف تحمل عشرات المصابين، وخلال دقائق تجاوز العدد المئات، أكثر من 600 شخص أغلبهم نساء وأطفال، غصّت بهم النقاط الطبية، هول الحدث كان أكبر بكثير من طاقة كل المستشفيات الميدانية في الغوطة، والسؤال الأهم الآن، بحسب اعتقادي، هو ما الذي فعله العالم ومنظماته الحقوقية والإنسانية تجاه هذا الملف؟ ما الذي فعلته المعارضة ومؤسساتها العتيدة؟ العالم مشغول بهولوكوست مزعوم، ارتكبه هتلر ضد اليهود أوائل القرن الماضي، ويتناسى الهولوكوست السوري اليومي، نحن يوميًا لدينا محرقة، وقودها أشلاء أطفالنا والعالم لا يتحرك، يوميًا مناطقنا تتعرض للقصف فما الذي فعله العالم؟ لا شيء بكل بساطة، نحن لسنا إسرائيليين، أو من رعايا المقاومة والممانعة؛ كي يتحرك العالم على وقع دمائنا”.

كذلك أوضح أبو كمال أن السوريين أقلعوا عن الانتظار، وقال: “في نظري العالم كله شريك في المذبحة، من لم يتخذ موقفا صريحًا -على الأقل- لوضع القتلة في قفص العدالة هو شريك بقتلنا، واليوم نقول: فليحترق كل هذا العالم ليعش أطفالنا، أطفالنا الذين لم يعرفوا معنًى للطفولة، ولم يدركوا لحظةً للسلام أو اللعب بأمان، بعيدًا عن صور الأشلاء وأصوات الطيران والمدافع والقذائف”.

بعد أكثر من خمس سنوات على الإجرام الممنهج الذي ترتكبه قوات النظام والميليشيات المتحالفة معها بحق السوريين، كان من الطبيعي أن ينتقل المجني عليه، من إنتاج خطاب الضحية إلى مربع التأكيد على حقه في الحياة، أيًا كانت الوسائل أو الأدوات المستخدمة لتحقيق هذا الهدف، وهو ما ذهب إليه الدوماني بقوله: “بعد كل هذه السنوات والمجازر المُرتكبة بحق السوريين، أصيبت الغالبية بخيبة أمل، وصلت حدود اليأس من أن يتحرك العالم لإنقاذ الإنسانية التي تموت من أقصى جنوب سورية إلى أقصى شمالها؛ بسبب غرائز شخصٍ مريض بالسلطة والحكم، وأعتقد أن كثيرًا من ردود الأفعال أصبحت تُعبّر عن هذا المنطق، والخطِر في الأمر أن ثقافة حقوق الإنسان تراجعت، وتخطاها بعضهم بسبب تخاذل بعض المؤسسات الحقوقية والإنسانية، وبات منطق (عدالة الضحية) هو السائد، بغض النظر عن النتائج والضحايا التي سيخلفها”.

من جهته قال الدمشقي: “من لم يتحرك ضميره أو وجدانه بعد استشهاد أكثر من 300 ألف إنسان موثق بالأسماء، علاوة على الشهداء غير الموثقين، سواء في سجون النظام أو المقابر الجماعية على امتداد الجغرافية السورية، ومن لم يكترث لاستشهاد ما يقارب 1700 شخص في ليلة واحدة، معظمهم أطفال ونساء، كيف لنا أن نثق بإنسانيته بعد اليوم؟  نحن سنضحي بكل شيء لأجل لحظة يعيشها أطفالنا بأمان، علّها تكون نافذة لمستقبل مشرق، سنكون الجسر الذي يعبرون عليه إلى الدولة التي حلمنا بها مرارًا وتكرارًا”.

لا شك في أن تلك المذبحة بتداعياتها الإنسانية والسياسية، ستبقى منقوشةً في الوعي الجمعي للسوريين، كعلامةٍ فارقة أماطت اللثام عن تقاعس المجتمع الدولي وسياساته التي تحكمها المصالح لا القيم، وتزداد صعوبة إقناع الضحية بأنه يمكن أن تحصل على حقوقها بالقانون والعدالة دون الانتقام، ولاستدراك هذا الخطر؛ لابد من إيقاف القاتل الذي مازال طليقًا، ويحظى بشرعية القانون الدولي الذي يسير -بخطًا محمومة- لنسج الأحلاف والتكتلات؛ بهدف الخلاص من الإرهاب، على الرغم من أن هذا القاتل هو الوجه الآخر لهذا الإرهاب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق