أدب وفنون

المثقف الذي فقد قِبلته!

تصدّر المثقف السوري -منذ سبعينيات القرن الماضي- المشهد الثقافي في سورية، ككائن مُنجَز ومشحون بأفكار ماركس ولينين؛ اقتات على الكلاسيكيات الروسية بنهم وزهوّ، وارتدى -حينئذ- قناع المثقف المزاجي المستبد والمتعالي على مجتمعه.

مذ ذاك تصدّعت العلاقة بين هذا “الكائن” وخليته (الأسرة أو العشيرة أو الطائفة)؛ فخسر هُويات متنوعة، فريدة في تشكيلاتها وفطرتها، وفي سموّها الحضاري المتوارث أيضًا، وانحاز –منبهرًا- بـ “الأنا” الفردية المتمردة على واقع يراه بائسًا، لا يُرجى منه خير.

 

استعدى هذا المثقف الدين على الفور، وظن -خاصة العلماني، وعلى الأخص اليساري- أن طريق تطورنا يمر عبر الغرب، وأن الدين سيموت موتًا طبيعيًا، كما حدث في أوروبا، وانتظر التشييع متجاهلًا كلّ التجاهل، أو بالأحرى، مستنكرًا خصوصية التركيبة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تشكّل محيطه؛ رافضًا -بتعال وانسلاخ ذاتي النزعة- مجتمعه الأهلي، ساعيًا إلى استبداله بمجتمع مدني؛ لتبرز بيننا طبقة مثقفين تأسست على هشاشة الانتماء إلى “الكل”، وعلى ضحالة معرفية بما يجري حولها ومعها.

 

الحقيقة أننا لم نملك يومًا “طبقة” مثقفة صاعدة، لا ماركسية ولا ليبرالية، لا ثورية ولا إصلاحية، مؤثرة قادرة على تشكيل قوة ضاغطة للتغيير، ولا يمكن -في المقابل- إنكار وجود مثقفين تقليديين انحدروا من أوساط بورجوازية، كان لهم تأثير متواضع بين شباب السبعينيات والثمانينيات، ليأتي بعدهم الريفيون والمدنيون والفلاحون والهواة من صغار الكسبة، لكنهم –جميعًا- لم يعوا أن يكون للمثقف وظيفة!

لم يشعر النظام -يومًا- بضغط المثقف عليه، لكنه لمحه واقفًا على السياج، يكتب ويؤلف بأصابع مرتجفة وكسولة، سقفه سرير امرأة حصل عليها من قهوة الروضة أو غيرها، لاعنًا -في سره- الوطن والبورجوازية والإقطاعية والاستعمار الذين حرموه متعة النوم معها في فندق خمس نجوم، أو حتى نجمتين صدئتين.

 

حين كانت السلطة في سورية -السبعينيات والثمانينيات- تتشكل من تحالفات مالية واقتصادية ومصرفية وإقطاعيات عسكرية، وتبني لها قلاعًا أمنية، وتصنع أجهزتها ومؤسساتها وأحزابها؛ لتصبح -لاحقًا- القوة الضاربة، والكف القابضة على سورية، المستحوذة على كل ما هو ساكن أو يتحرك فيها؛ برز المثقف التضليلي الذي جرّه النظام من على السياج، ومنحه هبةَ، أو صفةَ، أن يكون مثقف السلطة علنًا وسرًا؛ وقد اختار هذا النوع من “الكائنات” وظيفة المثقف (المقاول)، البارع في عملية التغطية على واقع العجز والتخلف والفساد، ومن هؤلاء مَن تبنى تبرير سياسات النظام وممارساته الاستبدادية؛ فشروط النضال القاسية التي يسوقها الاثنان: النظام المستبد، والمثقف البوق، تستدعي الضرب بيد من حديد على رؤوس قاطنين، لا مواطنين يتزودون بماء الأرض وكلئها، ويتشرّبون -انتماءً- سُحنتَها؛ فالمعركة مع العدو الافتراضي (إسرائيل) يُحضَّرُ لها منذ خمسين عامًا بتؤدة، وتحتاج -دائمًا- كلّ الوقت لتدجين قوًى قد تنهض -فجأةً- لمحاربة أحد الطغيانين: النظام، أو العدو الجار.

 

وقتئذٍ تبرّع النظام، عبر مؤسساته الثقافية والإعلامية، بطباعة وشراء مؤلفات شعرية ونثرية وروائية تمجد القائد، ومؤلفات موازية، قائمة على خلفيات شخصية وثأرية بين المثقفين التابعين لمحفل هذا أو مزرعة ذاك!

اتسع الشرخ بين المثقف والوطن والمواطن حدّ التجذّر، وبات السوريون يرون المثقفين فئةً انتهازية، سياسيًا وفكريًا وأخلاقيًا، مهووسة بالمكتسبات؛ حتى لو كان المكسب دعوةً على غداء، أو مكافأة بقيمة 500 ليرة سورية، لقاءَ “تغريدات” في مركز ثقافي؛ فئة، وأؤكد أنها فئة، لكنها عريضة منتشرة، لا يعنيها التغيير ولا الإصلاح، ولا تراهما ضروريين أصلًا؛ لأنها مشغولة بالصراع البيني، والتنافش الاستعراضي، والتنافس على نشر ثقافة العبث واللا جدوى، والنخبوية والفردانية الخاوية؛ لتتكرس، في السنوات اللاحقة الأخيرة، القطيعة الكاملة مع الجمهور.

 

إن الاغتراب الذاتي والمصالح المرتبطة بين بعض المثقفين والنظام، ساهما -بالمطلق- في انتشار المد السلفي والليبرالي البورجوازي الفاسد، وغاب غيابًا تامًّا المثقف الحيوي، والناقد الراهن، القادر على استخلاص قوانين ورؤى تتواءم والتململ الحاصل في المجتمع السوري منذ أكثر من عشرين عامًا، والآن، لم يعد قادرًا؛ بل لا يملك أصلًا دورًا في موقعه الفكري المستقل والمسؤول.

 

لقد بات المثقفون مكبراتٍ أيديولوجيةً بائسة، وسقطت سقوطًا مدويًّا، منذ اليوم الأول للثورة، مقولة، طالما ضحك بها المثقفون على بعضهم بعضًا، وتهافتوا -بناءً عليها- قي تسجيل مواقف كيدية، وتجسسية بينية، مفاد زيفها: أن من يؤسس لحركات راديكالية هو اليسار والمثقفون النقديون؛ اليسار هو الحل، من حيث إنه يقرن التحرر بالتغيير!

 

لقد فقد كثير من المثقفين السوريين فرصتهم؛ حتى الأخلاقية منها، فرصتهم في أن يتعاطفوا -على أقل التزام- مع مجتمعهم اللصيق بهم، جينيًّا وفيزيولوجيًا، ويلتصقون به كالقراد؛ فتجاهلوه بذريعة العلمانية، وصدّروا أنفسهم إلى الخارج، وتصدّروا وسائل الترويج لـ “مآثرهم”، بوصفهم أبطالًا مطلوبين للأمن، تخلوا عن بلدهم وضيعهم وذوي القربى من طائفتهم؛ بحجة علمانيتهم!

لقد فوّت هؤلاء آخر فرصة لهم؛ ليكونوا بشرًا أسوياءَ أو سوريين.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق