تحقيقات وتقارير سياسية

سباق محموم بين الجيش الحر و”قوات سورية الديمقراطية” للسيطرة على جرابلس

أعلنت فصائل الجيش الحر -الأربعاء الماضي- السيطرة على مدينة الراعي الاستراتيجية، بشكل كامل، من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بعد معارك شرسة؛ استطاعوا من خلالها قتل وأسر العشرات من عناصر التنظيم، وتزامن هذا الهجوم مع إعلان “قوات سورية الديمقراطية” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي تشكيل “المجلس العسكري لمدينة الباب”، وبدء التجهيزات لإطلاق معركة السيطرة على المدينة، الخاضعة لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والذي يعني عمليًا، في حال السيطرة عليها، حصار عناصر التنظيم في ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، وقطع خطوط الإمداد باتجاه معقلهم الرئيس في محافظة الرقة، في حين تجاوزت “القوات الكردية” نهر الساجور، الذي يُشكّل الحدود الإدارية بين منطقتي جرابلس ومنبج، واستطاعت السيطرة على قرى عدة.

 

في ظل هذه التطورات الميدانية المتسارعة، بدأت الأنظار تتجه إلى مدينة جرابلس، والتي تشهد سباقًا محمومًا من الطرفين، الجيش الحر من جهة، و”قوات سورية الديمقراطية” من جهة أخرى، بهدف السيطرة على المدينة، وطرد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وذلك لما تُشكِّله من أهمية استراتيجية، فقد يتحدد مستقبل الريف الشمالي والشمالي الشرقي إلى حد بعيد، وفقًا للجهة التي ستسيطر عليها.

 

وأفاد ناشطون، من المدينة، بقيام عناصر تنظيم (داعش) بإخلاء المدينة من معظم عناصره، إضافة إلى عوائلهم وأسلحتهم الثقيلة، والتوجه إلى مدينة الباب؛ لتحاشي حصارهم المحتوم في المنطقة في حال بقائهم، وهو ما أكّده الصحافي، أيمن محمد، ابن مدينة جرابلس، حيث قال لـ (جيرون): “إن المعلومات الواردة من مدينة جرابلس تُشير إلى أن عناصر التنظيم فرّوا وعائلاتهم باتجاه مدينة الباب شمالي حلب، خشية سيطرة القوات الكردية على المدينة، والذي يعني قطع طريق الإمداد الأخير لعناصر التنظيم في ريف حلب الشمالي والشرقي، وحصارهم في مدينة جرابلس وريفها”.

تكتسي مدينة جرابلس، والتي تقع شمال شرقي محافظة حلب، أهمية كبيرة، كونها إحدى البوابات الحدودية مع تركيا، والتي مازالت تطرح مشروع إقامة منطقة آمنة، تمتد من جرابلس حتى إعزاز؛ بهدف حماية المدنيين، من جهة، وعدم السماح لـ “قوات سورية الديمقراطية” التي يُشكِّل المقاتلون الأكراد عمودها الفقري، من السيطرة على المنطقة، من جهة أخرى، حيث ترى تركيا أن سيطرة الوحدات الكردية على المدينة يُشكِّل تهديدًا للأمن القومي التركي، خاصة في ظل توسع دور حزب الاتحاد الديمقراطي، وجناحه العسكري “قوات حماية الشعب”، والتي باتت تُسيطر على مساحات واسعة من شمالي سورية، حيث تتهمه تركيا بأنه الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي يخوض تمردًا منذ سنين ضد الحكومة التركية، وأعلن قبل أشهر إيقاف عملية السلام مع الحكومة التركية، وبدأ بتنفيذ سلسلة من الهجمات ضد قوات الأمن والجيش التركيين في جنوب شرقي البلاد، كان آخرها تفجيرات الخميس في مدينتي: فان وألازيغ.

 

أما النقطة الثانية التي تجعل من المنطقة الممتدة بين جرابلس وإعزاز ذات أهمية كبيرة للأتراك، فهي ا تُمثّل الثقل السكاني الأكبر للمكون التركماني في سورية، حيث تضم المنطقة نحو 144 قرية تركمانية وفق ما يؤكده المجلس التركماني السوري.

على الجانب الآخر، يرى الأكراد أن السيطرة على مدينة جرابلس، سيجعل الباب مفتوحًا أمام مشروعهم الهادف للسيطرة على كل الشمال السوري، وربط ما يدعونه بـ “الكانتونات الثلاثة”، أي: عفرين وعين العرب والجزيرة، والتي تمتد حتى الحدود العراقية، مستفيدين من الدعم الكبير من طيران التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

 

وحول فرص الطرفين السيطرة على المدينة، يعتقد محمد أن تقدم الوحدات الكردية “أمر صعب في الوقت الحالي، لأن لتركيا موقفًا واضحًا وصريحًا من هذه القوات، وطلبت من واشنطن الوفاء بوعودها بشأن انسحاب هذه القوات من مدينة منبج التي استولوا عليها قبل أيام”، وأضاف: “طريق فصائل الثوار هو الأقرب نحو جرابلس، ولن يصطدم بمعوقات؛ لأن لها حاضنة شعبية في المنطقة الشمالية، ولم ترتكب أي انتهاكات بحق المدنيين من تهجير، أو قتل، أو إقصاء، على عكس “قوات سورية الديمقراطية” التي أدانتها عدة تقارير حقوقية بتهجير المدنيين من العرب السنة، ومن التركمان، وحتى الأكراد ذاتهم الذين يتعرضون لانتهاكات من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي، منذ أن فرضوا هيمنتهم على مناطق شاسعة شرقي نهر الفرات حتى الحدود العراقية خلال السنتين الماضيتين”.

 

في حين يرى آخرون، أن التوازنات الدولية هي الفيصل في تحديد مسار المعركة، خاصة في ظل تدويل المسألة السورية برمتها، وتضارب المصالح الكبير للدول الكبرى واللاعبين الإقليميين، وهو ما يُفسّره النشاط السياسي المحموم الذي شهدته أروقة السياسة الدولية خلال الفترة الماضية، وستحسم الأيام وربما الساعات القليلة القادمة الجدل القائم حول مصير المدينة والريف الشمالي والشرقي، والذي سيكون له -بكل تأكيد- تأثيره الكبير على مجمل المشهد السوري وتوازناته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق