تحقيقات وتقارير سياسية

القاذفات الاستراتيجية الروسية ترجمة للاتفاق الروسي الأمريكي

من خلال باب التطورات الذي فُتح على مصراعية الآن، وبعيدًا عن التكهنات، يمكن مشاهدة بعض أهم تفاصيل “اتفاق التفاهم” الذي أنجزه وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، مع الروس في موسكو، منتصف الشهر الماضي، حول “القضية السورية”، والذي تم وضعه على نار حامية، بُعيد وضع ملحقاته وترجماته على الأرض السورية، من قِبَل خبراء من الجانبين، في اجتماعات عقدوها مؤخرًا في جنيف، بحسب ما سربته مصادر دبلوماسية غربية.

 

“عراضة” القوة التي عزز بها الروس تدخلهم في البلاد، بأسلحة استراتيجية ليس من قاعدتهم في حميميم السورية فحسب، بل من قاعدة همدان الإيرانية أيضًا، بمواكبة من الصين، التابع التقليدي والمُقلدِ للقوى العظمى، وبمناورات روسية إسرائيلية في المتوسط هي الأضخم، لا تشير إلى أن الأهداف من ورائها تقتصر على ضرب بضعة تجمعات لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بقدر ما تُدلّل على تنفيذ أحد أهم بنود (الاتفاق الأميركي – الروسي) الذي لا يرغب المبعوث الأميركي إلى سورية، مايكل راتني، والذي كان مواكبًا لاجتماعات كيري الماراثونية في موسكو، بتسميته بهذا الاسم؛ لما له من وقع ليس بطيب على السوريين، بل يشدد على تسميته بـ “تفاهمات”.

 

يبدو البند الأول من “اتفاق التفاهمات” الذي تم تحت عنوان عريض “محاربة الإرهاب”، قد أعلن عن ذاته، في صورة وصاية روسيا الكاملة على سورية، وتوكيلها مهمة توزيع الحصص، ومناطق نفوذ الدول الإقليمية خصوصًا، وتطويع المعارضة تحت إطار تفاوضي أو مصالحات مع النظام، في ظل وجود بشار الأسد، ونسف ما تم التوصل إليه في جنيف 1، المتعلق بتشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية، فالولايات المتحدة لا ترغب من روسيا سوى الاستمرار في محاربة ما تسميه بـ “التشدد الإسلامي”، وضمان أمن إسرائيل، ورعاية القوى الكردية في الشمال السوري.

 

في رغبتها الأولى، لا تريد الولايات المتحدة الانتقام لأحداث 11 أيلول/ سبتمبرفحسب، التي مازالت تُلهب ذاكرة الزعماء الأميركيين، بل -أيضًا- تنفيذ استراتيجيتها في نقل الحرب على الإرهاب إلى ساحة بعيدة عنها، وقد ساعدت في ذلك، هي ودول أخرى من بينها روسيا، من خلال إرسال المتشددين لديها، أو غض النظر عن دخولهم إلى سورية، التي هيأ النظام البلاد كساحة لهم مع بداية الثورة، من خلال إطلاق سراح المتشددين المعتقلين لديه واتباع الحل العسكري.

 

بموجب “اتفاق التفاهم”؛ فقد أعلنت روسيا أنها ستقوم بأعمال عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة ضد مواقع الإرهابيين، وهي تعمل انطلاقًا من رؤية النظام والقوى الطائفية متعددة الجنسيات، المتحالفة معه، بأن قوى الثورة السورية بفصائلها العسكرية والسياسية المختلفة، هي إرهاب أو تشدد إسلامي، لا يختلف عن “جبهة النصرة” الاسم السابق لـ “فتح الشام”.

 

وفي ما يتعلق بأمن إسرائيل، عززت روسيا رعايتها وحمايتها لنظام، هو صمام أمان لها، شل البلاد ودمرها وجعلها ساحة لصراع قوى طائفية متعددة الجنسيات، كذلك فقد طمأنت الإسرائيليين أكثر، من خلال تفاهمات بدأت بين الجانبين في أول زيارة خارجية قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إسرائيل، بعد “انتخابه” رئيسًا في العام 2012، وتعززت خلال المباحثات التي أجراها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، في نيسان/ أبريل الماضي في موسكو، والتي قال الكرملين: إنها تمت في “إطار ضيّق” وأنها ركّزت على موضوع “الأزمة السورية”. وأيضًا من خلال التنسيق العسكري بينهما، والذي كان آخره المناورات التي بدأت قبل يومين بينهما قبالة الشواطئ السورية، بحسب ما نقل موقع روسيا اليوم عن موقع (ديبكا) الإسرائيلي.

 

يتماهى الأميركيون مع الروس، بموجب “اتفاق التفاهم”، في محاولات تطويع المعارضة بلغة ناعمة، ولذلك أسبابه، فمنذ تجاوز النظام خطوط أوباما الكيماوية الحمراء، بدت اللعبة الدولية للسوريين أكثر وضوحًا، فيما يُكابر الأميركيون، ويبررون تفاهماتهم مع الروس بأنها “لمصلحة الشعب السوري”، ويقول مايكل راتني، بحسب ما تسرب عن لقائه بوفد الائتلاف أخيرًا: “نحن نجلس مع الروس لأنهم قادرين على سحقكم، وعلى سحق أي معارضة داخلية، ونحن بهذا نمنعهم”، أي: أن الأميركيين باللهجة العامية السورية “يلعبون دور المحجّز”.

 

أما ما يتعلق بالأكراد السوريين، يرمي “راتني” الكرة في ملعب المعارضة السورية، التي يتهمها بأنها “ليست جهة يُعوّل عليها في محاربة الإرهاب”، ولذلك فقد لجأ الأميركيون للأكراد؛ من أجل تحقيق هذا الهدف، بعد عجزهم عن إيجاد فصيل “سنّي” يقبل بذلك، بحسب تعبير “راتني”، وبالغوا في اللعب بالورقة الكردية إلى حد أثار قلق تركيا، ولا سيما بالنسبة للموقف من حزب العمال الكردستاني الذي تم تجاهله كجهة مُصنّفة أميركيًا وأوروبيًا على قائمة الإرهاب.

وبالنسبة لروسيا، فإن دخول قاذفاتها الاستراتيجية، بعد نكستها في فك الثوار الحصار عن حلب، الذي كان صوره النظام على أنه نهاية المعارضة، ترافق مع قصف سياسي استراتيجي باتجاه الدول العربية، ولا سيما الخليجية منها، فمن شأن التوجه -بالمفهوم الروسي- نحو دولة قطر، وليس إلى المملكة العربية السعودية، الحاضنة الأكبر للمعارضة وهيئة مفاوضاتها العليا، أن يُقلّص من دور هذه المعارضة، من خلال لقاءات نائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف، مع رموز في المعارضة، مثل الشيخ معاذ الخطيب، التي ترى بمثل هذه الخطوة ليس الضغط على الائتلاف فحسب، بل توسيع تحالف منصات موسكو وحميميم وأستانة، كبدائل للهيئة العليا للمفاوضات، أو بالحد الأدنى خلق ثنائية تفاوضية معارضة، مقابل أحادية وفد النظام، يتم في مرحلة لاحقة اللعب على قضايا لا تمثل تقاطعات بين تلك الثنائية، بغية تمرير الحل السياسي الروسي، وإبقاء الأسد في حكم عميلًا لها وتحت وصايتها.

 

الفشل الذي رافق باكورة تنفيذ بنود الاتفاق الروسي – الأميركي، من خلال فك الحصار عن حلب، جعل راتني يُذكِّر وفد الائتلاف الذي التقاه بأن من بين التفاهم الأميركي – الروسي منع حصار حلب من أي من الطرفين، ويقول بحسب التسريبات: “كانت لدينا مخاوف من أن تُحاصر الأحياء الشرقية، أما اليوم، فلدينا مخاوف من أن تُحاصر أحياؤها الغربية”، أي: التي يسيطر عليها النظام.

 

وبحسب التسريبات أيضًا، فإن “راتني” سوّق لاتفاق التفاهم الروسي الأميركي، بشكل غير مباشر، من خلال قوله لوفد الائتلاف: “إن جبهة النصرة مشكلة كبيرة تجاهلناها نحن وأنتم، لكن الروس يعدّون كل المعارضة، حتى السياسية منها، إرهابيين ومجانين. لقد حاولنا، الوزير كيري وأنا (أي: راتني)، الدفاع عن المعارضة، إلا أن لافروف فاجأنا بالقول: إذا كانوا عاقلين لماذا لا يأتون ليتحاوروا معنا؟”.

 

لم تحتجّ الولايات المتحدة على قيام القاذفات الروسية الاستراتيجية بقصف سورية، انطلاقًا من القاعدة الإيرانية، ولا لقتل المدنيين وتدمير المناطق السكنية، ولم تتفاجأ به، بحسب تعبير المتحدث باسم الخارجية الأميركية، غير أنه قال: إن ذلك قد يشكل انتهاكًا لقرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي يمنع إمداد أو بيع أو تحويل أي طائرات مقاتلة لإيران؛ في حين رد لافروف بأن الطائرات الروسية تنطلق من إيران في إطار عملية الكرملين لمكافحة الإرهاب، وأنه لم يتم نقل أي طائرة أو إمدادات إلى طهران.

 

القاذفات الاستراتيجية الروسية لم تأت للحرب ضد التنظيمات الإرهابية، بقدر ما جاءت للسيطرة على البلاد وحماية مصالحها من خلال قتل السوريين وتهجيرهم، بعد أن عجزت جميع القوات الطائفية متعددة الجنسيات، وما تبقى من مرتزقة النظام، عن إنهاء الثورة، وستدرك روسيا وحلفاؤها أن أي حل سياسي لا يمكن أن يتجاوز مصالح الشعب السوري، الذي دفع مئات آلاف الشهداء وملايين النازحين واللاجئين من مدن وبلدات دمرتها آلتهم العسكرية، وإذا كان فك الحصار عن حلب قد أطاح بأول بنود اتفاق التفاهم الأميركي – الروسي، فإن تصميم الثوار، أصحاب الأرض، وإرادتهم ستطيح ببقية عناوينه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق