قضايا المجتمع

النظام السوري واستثماراته في سوق البغاء

يُعدّ البغاء إحدى الظواهر الموجودة في معظم المجتمعات على المستوى العالمي، وعمدت دول عديدة إلى تنظيمها وتأطيرها قانونيًا وصحيًا، بوصفها إحدى روافد الاقتصاد لتلك البلدان؛ فيما رفضتها وحاربتها دول أخرى؛ بهدف المحافظة على الأخلاق والتقاليد وصحة مواطنيها الجسدية والنفسية، وتُعدّ هذه الظاهرة في مجتمعاتنا من أشد التابوات خطورةً، نظرًا للطبيعة المحافظة في الدول العربية والإسلامية، ومنها سورية التي تؤكد العديد من التقارير أن (سوق البغاء) فيها كانت، ومازالت، تخضع لإشراف مباشر من أجهزة النظام الأمنية المتعددة، والملاحظ أن الحديث عن ارتفاع منسوب هذه الظاهرة المرضيّة في سورية، تصاعد خلال الآونة الأخيرة، لدرجةٍ أن أصبحت فيها باديةً للعيان في الشوارع والحدائق العامة، بتشجيع وحماية من ميليشيات النظام، أو من يُوصفون بـ (الشبيحة).

 

يصعب الحصول على معلومات دقيقة تُوثق هذه الظاهرة؛ نظرًا للأوضاع الأمنية بالغة التعقيد في العاصمة دمشق، إلا أن العديد من الناشطين في الداخل يؤكدون بأن حواجز النظام الأمنية والعسكرية باتت الراعي الأول للبغاء في دمشق، ضمن سياسةٍ ممنهجة لتدمير البنية القِيَمية للمجتمع، وفق آرائهم. وهو ما يؤكده الناشط جواد العربيني لـ (جيرون) “اليوم باتت دمشق سوقًا للبغاء بشكلٍ علني، وباتت مناطق كـ (جرمانا ودويلعة ومساكن برزة والمزة وعش الورور) أوكارًا لهذه السوق، وأصبح الدمشقيون يضربون كفًا بكف، وهم يشاهدون أقسى مظاهر الانحطاط تعم الشوارع والحدائق العامة، التي تحولت إلى ملاهٍ متنقلة تعج بالفتيات والشباب غالبيتهم يرتدون الزي العسكري”، مضيفًا: ” حاول بعض الدمشقيين توثيق هذه الظاهرة من خلال التقاط الصور، ونشرها على صفحات التواصل الاجتماعي، إلا أن ذلك لم يُغيّر من الأمر شيئًا، فمنظومة قيم النظام تختصرها عبارة (إن لم تستح فافعل ما شئت)”.

 

معظم الآراء تتفق على أن النظام وميليشياته هم أكثر من يرعى ويروج لسوق البغاء في العاصمة، وفي بعض المدن السورية الأخرى الخاضعة لسيطرته، لأسبابٍ عديدة، منها التضييق على السكان لإجبارهم على الرحيل في سياق سياسات التغيير الديمغرافي، وكذلك محاولة فرض نسق قيمي غريب عن المجتمع الدمشقي، والسوري بشكلٍ عام، كأسلوب قهر نفسي اجتماعي مُركّب، يُساهم -أيضًا- في تحقيق الهدف الأول، وهذا ما يؤيده حديث أبو محمد الدمشقي لـ (جيرون) والذي قال: “محاولة فرض البغاء كأسلوب طبيعي للحياة، في مجتمع محافظ كالمجتمع الدمشقي، يوازي بتداعياته سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها النظام في المناطق الخارجة عن سيطرته، ضمن الغوطتين وغيرها من الأحياء المحيطة بالعاصمة، بمعنى أن هذه الظاهرة تؤدي في أحياء دمشق دور الطائرات والبراميل في المناطق المحررة المراد منها رحيل العائلات الدمشقية، وإحلال أنموذج سكاني مختلف، مُرتبط بعقيدة النظام وقيمه، ضمن مشروع التغيير الديموغرافي الذي لا يُخفيه الأسد وحلفاؤه”.

 

من جهته، أكد العربيني “أن البغاء استثمار، يحاول النظام من خلاله تعزيز حضوره وسطوته الأمنية داخل العاصمة، وذلك بتوفير كل سبل المتعة لعناصره، الأمر الذي قد يجعل شبانًا آخرين يتطوعون ضمن أجهزته داخل العاصمة، ولا سيما من هم في سن المراهقة، وما يحدث الآن عمل منظم مُعقّد، تُشرف عليه -بشكل مباشر- الفروع الأمنية والميليشيات المرتبطة بها”، مضيفًا: “من أبرز الشواهد على استثمار أمن وشبيحة النظام للبغاء في السيطرة، وتوسيع المجموعات الأمنية والتشبيحية، ما يحدث في منطقة السيدة زينب جنوبي دمشق، والتي تقطنها غالبية معينة معظم شبابها مجندون ضمن الميليشيات التي تقاتل إلى جانب النظام، وهو مسعىً واضح لإمتاع العناصر المستوردة، واستثمارهم إلى أقصى الدرجات في التوحش ضد المناطق الثائرة”.

 

أسباب الظاهرة من وجهة نظر اجتماعية

كثيرة هي الأسباب -وربما- معقدة التي تلعب دورًا في تفشي ظاهرة البغاء داخل مجتمع من المجتمعات، إلا أنه وضمن الأوضاع الموضوعية المحيطة بالشأن السوري، قد تبدو أكثر تعقيدًا، وتحتاج إلى رأي اختصاصيين في هذا المجال، خاصةً أن معظم المعلومات الواردة عن سوق البغاء المرتبط بسورية، تؤكد إشراف شبكات مُنظمّة عليها، مُستغلةً حالة الحرب المستمرة في البلاد، وما نتج عنها من انعكاسات كارثية على مختلف الصعد، وهو ما تؤكده الاختصاصية الاجتماعية كبرياء الساعور لـ (جيرون) بقولها: “معظم الدراسات الاجتماعية النفسية تؤكد أن المجتمعات التي تتعرض للحروب تعاني من تشظي وانقسامات مجتمعية، إضافةً إلى انهيار اقتصادي ودمار البنى التحتية؛ الأمر الذي يساعد -إلى حد بعيد- في انتشار هذه الظاهرة، وهناك أمثلة عديدة، منها ما حصل في العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003، في الحروب عادةً يرتفع منسوب العنف ضد النساء، والبغاء هو أحد أشكال العنف المُمارس، وفي ما يتعلق بسورية، فإن النظام لم يدمر فقط العمران والبنى التحتية، بل دمر النسيج المجتمعي ومنظومات القيم”. مضيفةً: “ببساطة ما نتج عن حرب النظام من تشريد آلاف العوائل، وفقدان المأوى والمعيل والمورد الاقتصادي، جعل من البغاء مهنة بإمكانها سد رمق الحياة، وهناك أمثلة عديدة تؤشر إلى بيع نسوة لأجسادهن مقابل الحصول على حفنة صغيرة من المساعدات، لذلك فالمسؤول الأول عن تفشي هذه الظاهرة هو سياسات النظام التي أدت إلى تفكيك المجتمع، وهذا ليس بجديد، فالعديد من التقارير الأممية تحدثت عن إشراف شبكات منظمة مرتبطة بأجهزة الحكم في سورية، ترعى الاتجار بالبشر والبغاء القسري عن طريق استقدام نساء عراقيات واستثمارهن في هذا المجال، وكذلك هناك تصريح لأحد وزراء النظام تحدث صراحة عن وجود أكثر من 55 ألف منزل للبغاء في دمشق عام 2013، ومعظم هذه المنازل بحراسة أمنية”، ولفتت الساعور في حديثها إلى أن “الأوضاع الحالية في سورية أدت إلى إنشاء ما يُسمى باقتصاد الحرب، المبني أساسًا على الاتجار بالبشر، والاستثمار بمآسيهم، والذي يُحقق عائدات مُرعبة للميليشيات المرتبطة بأجهزة الأمن والمخابرات، والتي تُدير معظم ما تبقى من مناحي الحياة في البلاد، كالفنادق والمطاعم وغيرها، وهنا تجدر الإشارة إلى أن تلك الميليشيات دائمًا ما تبتز نساء المعتقلين، وحتى نساء الضحايا من عناصر النظام، مقابل الحصول على معلومات عن المعتقل أو تسليم جثة القتيل”.

 

الانعكاسات والأعباء على الدولة والمجتمع

أكدت الساعور أن هذا الشكل من الاستغلال والعنف ضد النساء سيكون له انعكاسات وتداعيات مجتمعية كبيرة، مضيفةً: “أخصائيو علم النفس يؤكدون مدى تأثير تلك الممارسات على البنية النفسية للفتاة التي تم استغلالها، وقد تصل إلى حد تدميرها بالمعنى النفسي كليًا، وهو ما يؤثر حكمًا على نسق القيم ضمن المجتمع، ولا سيما مجتمع محافظ كالمجتمع السوري، إضافة إلى الانعكاسات السلبية على الأسرة نفسها، بمعنى تفكيك العائلة (نواة المجتمع الأولى)، بفعل تحويل البغاء إلى سياسة مُتسقّة؛ ما ينذر بتصدعات مجتمعية كبيرة في سورية”.

 

وعن الأعباء التي من الممكن أن يفرضها هذا الملف، أو هذه الظاهرة، على المجتمع بعد الانتقال إلى دولة الديمقراطية المنشودة، قالت الساعور: “بالتأكيد ستكون أعباء كبيرة، فأغلب من تعرضن من النساء للعنف الجسدي والإجبار على ممارسة البغاء، يحتجنَ إلى عمليات مُعقدة ومُركبة من التأهيل النفسي، ضمن محاولة إعادة دمجهن في المجتمع، وفي أحيانٍ كثيرة النجاح غير مضمون، خاصةً إن كانت مرحلة الاستغلال طويلة، وبدأت في سن مُبكرة، هذا الأمر سيفرض أعباء ضخمة على المجتمع والدولة في سورية ما بعد التغيير؛ لإعادة تنظيم العائلة وعلاج الآثار النفسية الاجتماعية الكارثية على المجتمع بأكمله؛ ما يتطلب تعاونًا كبيرًا من المنظمات الحقوقية والإنسانية ذات الصلة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق