مقالات الرأي

الأيديولوجيا وصناعة العدو في الصراع السوري

الحرب الداخلية “الأهلية” هي صراع بين فئات، كانت تعيش -لوقتٍ قريب- مع بعضها بعضًا، وتحتاج هذه الحرب إلى عدو يتم صنعه، وإلى أيديولوجيا تجعل هذا العدو بمنزلة الشيطان الذي يجب قتله استباقًا، وفي هذا السياق فإن الأيديولوجيا لا تنفصل، بل ترتبط أشد الارتباط بالتاريخ ومحمولاته الإثنية والمذهبية؛ ما يجعل القتل على الهوية أمرًا عاديًا، بل لا غنًى عنه في عملية التطهير.

 

وفي كل صراع أهلي يتم استدعاء الموروث العقائدي، وروابط المجتمع السابقة على الدولة الوطنية؛ لخلق عصبية تمكّن الأطراف المتحاربة من امتلاك الشرعية لمحاربة الآخر/ العدو، ولا يغدو النقد مهمًا، أو مطلوبًا، ولا مؤثرًا في إطار حرب أبطالها ملائكة منزّهون، من وجهة نظرهم، والآخر هو الشيطان الذي يجب القضاء عليه بشتى السبل، ولو عبر الإبادة.

 

وإذا كان كثير من المحللين يعدّون أي حرب خارجية أو داخلية حربًا من صناعة الرأسمالية، ممثلة بالشركات والدول المصنعة للسلاح، إلا أن هذا التحليل لا يصمد أمام تعقيد الحالة، ولا يفسر لنا كل شيء عن الحروب الداخلية، تلك التي تنطوي على تحولات هائلة، وتصبح فيها العقلانية صوتًا نشازًا، فلا أحد من الأطراف المتحاربة مستعد لسماع أي نقد يقلل من شأن مزاعمه، فهو يخوض حربًا “مقدسة”، وما دامت كذلك، فإنها خاضعة لمنطق الخير مقابل الشر.

 

منذ اللحظات الأولى للانتفاضة السورية، ومنذ الرد الأبرز لرأس النظام السوري في خطابه، في 30 مارس/ آذار من العام 2011، وعدّه ما يجري مؤامرة إرهابية، وهكذا فإن النظام السوري اختار أن يمضي في سياق عدّ المطالب الشعبية مؤامرة مدعومة من الخارج، وتنفذها أطراف تكفيرية من الداخل، ولم يكن بحاجة إلى توضيحات أكثر؛ ليفهم “الجميع” أن الطرف الآخر “طرف إسلامي متشدد”، وفق مزاعمه.

 

وبغض النظر عن السيناريوهات الأخرى التي كان من الممكن اللجوء إليها، فقد سحب النظام ورقة واحدة من سلة السيناريوهات، وهي سيناريو يقدم وصفة جاهزة لمواجهة، ستتحول مع الزمن إلى احتراب أهلي، وسيسهم -عبر خيارات داعمة لهذا السيناريو- في تسريع العملية، وجعل السيناريو الذي اختاره هو السيناريو المتحقق فعليًا.

 

وهنا، لا بد لنا أن نتوقف عند أمرين مهمين: يتمثل الأول منهما بإيجاد وصف جاهز للآخر العدو، والثاني، أنه حاول القيام بفرز أيديولوجي، مستفيدًا -بالطبع- من المخاوف العالمية من الإرهاب، والتي سادت بعد أحداث سبتمبر/ أيلول 2001، مع تدمير برجي التجارة العالميين في نيويورك.

 

لقد صنع النظام -منذ البداية- عدوًا جاهزًا، فتصفية الثورة من كل ما هو مدني وديمقراطي وعلماني؛ سيصب -لاحقًا- في إعطاء الحركة الثائرة صبغة إسلامية (مع علم النظام المسبق بتقاطعات أمر كهذا مع الصراع الإقليمي بين طهران والرياض)، كما أنه عبر تصنيف الآخر -منذ البداية- يحدد اصطفافات الفئات التي ستلتف حوله، ولو مرغمة، كنتاج لخوف مزمن، لم تتح الفرصة في تاريخ سورية -خلال العقود الأربعة الماضية- لتجاوزه والتحرر منه، بل كرّسته عمليًا.

 

في الحروب الداخلية لا بد من صناعة الحيوان “الهمجي”، وبالفعل فقد حاول النظام جعل كل من يعارضه “داعشيًا”؛ ليُكسب خصومه صفة “الهمجية”، فكيف لهم إذن أن يبنوا دولة، وأن يفهموا في السياسة الدولية، وأن يحافظوا على مصالح الدول، وهؤلاء “الهمجيون” ليس لديهم اعتراف بأي منطق وضعي في السياسة والاقتصاد والحياة العامة.

 

وإذا ما استثنينا العام ونصف العام من انطلاقة الثورة، فإن مسار الأحداث -لاحقًا- سيجعل من معظم الأطراف المسلحة تتبنى شيئًا فشيئًا منطقًا أيديولوجيًا، يسهم في تطوير ديناميات الصراع السوري عبر تصورات أيديولوجية، لا ترى في الآخر أي تعبير سياسي، وإنما عدوًا يجب القضاء عليه، من دون التفكير بالتكلفة النهائية لمسار من هذا النوع، ويبدو هذا الأمر “منطقيًا” بالنسبة للقوى المتصارعة، فـ “الحرب غايتها قتل الأعداء”!، كما أن الحرب لحظة ملائمة جدًا؛ للقيام بعمليات قتل سيقفز عنها التاريخ لاحقًا، وهي تمنح المشاركين فيها رخصة للقتل المفتوح، طالما أن الحرب لم تسدل فصلها الختامي بعد.

 

وإذا ما استندنا إلى رأي بارز للقائد السويسري، أنطوان هنري جوميني (1779- 1869)، يعدّ فيه الحرب معطًى بحد ذاتها، وقد بات هذا الرأي من الآراء التي يُعتد بها في تحليل الحروب، يمكننا القول إنه بعد اندلاع الحرب لا يعود السبب الرئيس لاندلاع الصراع مهمًا، وهكذا فإن اختيار النظام السوري للصيغة التي أرادها هي صيغة حرب، وليس التعاطي مع انتفاضة محقة، ففي هذا الخيار يمكنه الوصول إلى تسويات لاحقًا، إذا لم يحالفه الفوز في هذه الحرب.

 

بالطبع يمتلك النظام السوري وحلفاؤه معرفة كافية بمنطق الحروب الأهلية وإدارتها، وهم يعلمون أن تورط جميع أطراف الصراع يجعل من تفعيل عمليات المحاسبة -لاحقًا- أمرًا بالغ الصعوبة، إذا لم توجد إرادة دولية كافية، وتبدو هذه الإرادة فعليًا غائبة في الصراع السوري، وقد أسهم غيابها في دفع الصراع إلى صراع مسلح.

وإزاء وضع كالوضع السوري قُطعت أشواط بعيدة في فرز القوى المتقاتلة على الأرض من كل الأطراف، وبات الخطاب المذهبي جزءًا من الخطاب الإعلامي المرافق للصراع، فاللحظة لم تحن بعد للتفاؤل بنهاية قريبة لصوت السلاح، والخروج من أيديولوجيا الحرب إلى منطق التسوية السياسية الوطنية، ورمي الهويات الفرعية لمصلحة الانتماء الوطني، والتخلص من فزاعة الآخر العدو والشيطان، والخوف من أن كل ما يطبخ للسوريين من حلول، قد يكون لتكريس نتائج الصراع الأهلي إلى أمد غير منظور، وبشكلٍ غير قابل للارتداد.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق