تحقيقات وتقارير سياسية

من عاطف نجيب إلى جبهة النصرة: تواتر “الأخطاء الفردية”

بعد اندلاع معركة حلب، وتمكُّن فصائل إسلامية، وقوات المعارضة السورية، من فك الحصار عن المدينة، تناقلت صفحات شخصية وعامة على مواقع التواصل الاجتماعي، تابعة لموالي النظام السوري، خبرًا مفاده أن “السيد الرئيس”، بحسب تعبيرهم، “سيصدر أمرًا بإعدام من أمَرَ بقطع وإغلاق طريق الكاستيلو”، وهو ما كان سببًا مباشرًا في فتح الجبهة الجنوبية لحلب، ضمن معركة فك حصار النظام وحلفائه عن مناطق سيطرة المعارضة، كما هو معروف.

أو نحرق البلد: جلّ من لا يخطئ

الخبر طريف ولا شك، خصوصًا إذا استنبطنا دوافع صاحبه، أو أصحابه، ومن قام بتسويقه على صفحات التواصل الاجتماعي، وهي دوافع لا تتعلق -حتمًا- باستنكار الحصار أو التجويع الذي بدأ في المدينة في الآونة الأخيرة، وقبلها في مدن سورية أُخرى، إنه مدخل للفصل بين شخص “السيد الرئيس” وشخصيات أُخرى أقل رتبة في الجيش أو الأمن، “تتصرف من تلقاء نفسها، ودونما مسؤولية عما يمكن أن يجرّه قطع الطريق على الجيش والوحدة الوطنية”، وليس على المحاصَرين. تنتشر نار الفصل -هذه- في هشيم الموالين بسرعة؛ وهو ما يتعلق بالتفسير السهل والساذج للأشياء، وعدم إعمال التفكير بعُمق في مسألة وكارثة بجسامة الكارثة السورية، وهي رواية كان إعلام الموالين الخاص، والمقصود -هنا- مواقع تواصلهم الاجتماعي خصوصًا، قد روّجها منذ بداية الثورة السورية عام 2011، ممثلة بــ “عدم وجود عصا سحرية للإصلاح”، و”اقتراب محاسبة المتورطين في إهانة أهل درعا”، وغيرها من قيَم يمتلكها السيد رئيسهم، دون غيره، من مراكز قوى داخل المنظومة الأسدية ككلّ.

في بداية الثورة تواترت أخبار تقول بأن الأسد الابن سيقوم بمحاسبة قريبه ومسؤول الأمن في درعا، عاطف نجيب، الذي قام بإهانة أهالي الأطفال المحتجزين الذين اقتُلعت أظافرهم؛ ما مهد لردة الفعل المعروفة هناك؛ كان ذلك قبل خطابه الشهير في آذار/ مارس 2011، والذي جعل من كل سورية درعا ثانية، وما حصل لاحقًا كرّس الحقيقة الناصعة، القائلة بأن عاطف نجيب هو الممثل الحقيقي والمُخْلص للأسديّة في درعا، وليس خطأ فرديًا من “أخطائها”، واليوم، يبدو الأسد في موقع مَن سيقوم بمحاسبة من أمر بقطع طريق الكاستيلو، ضمن السردية ذاتها التي تقول بطهرانيته، وترفعه عن ارتكاب أعمال عنف بحق “شعبه”.

يمكن الحديث والاستفاضة في تفاصيل كانت دينَ وديدَن اليمّ المؤيد، فيها عزل الأسد عن كل ما يحصل في البلاد من “أخطاء”، إن تم الاعتراف بوجود الأخطاء أساسًا، في مقابل شيطنة الضحية في الجانب الآخر، وتحميلها مسؤولية دمها، هذا إن لم يصل الأمر إلى تبرير المقتلة الحاصلة بحقهم، الأمر الذي يطرح سؤال العيش المشترك في سورية المقبلة، بعد أن تُطوى الأسدية إلى غير رجعة، وصعوبة الرأب الضروري لهذه الهوة. غير أن السطح والقشرة الدماغية التي تغلف هذا النمط من التفكير، لا تُظهر السؤال الأكبر: ما درجة التوافق عند الأسد بين “ألوهيته” المفترضة من مريديه، وعدم العلم بالغيب الذي يرتكبه الأدنى رتبة عسكرية منه، من المنخرطين في صفوف العسكر السوري والأفغاني والخميني وغيرهم؟

في مستهل “ربيع دمشق” عام 2001، راهن كثيرٌ من المعارضين السوريين، الذين أحيوا الربيع الموؤد، على قطع النظام السوري مع تاريخه في العلاقة مع الداخل السوري والمعارضة؛ ليتضح أن طبعَ الإخلاص إلى نهج الأسد الأب، قد غلَب تطبّع دراسة الطب في بريطانيا، و”الإلمام بالثقافات الأوربية” التي رُوّجت كمآثر للوريث، وسط تواتر روايات وتسريبات تقول بــ “محاسبة الفاسدين والمتورطين في نهب المال العام”. عمومًا، شعار “الأسد أو نحرق البلد” كان قد بدأ ضمنًا لحظة التوريث عام 2000، وليس عام 2011. كل ما فعلته الثورة السورية هو كشف القناع السابق لاندلاعها، على الرغم من كل محاولات إعادته من موالين للأسد و”معارضين” له.

في “الأخطاء الفردية” لــ “الحاكمية الإسلامية” في سورية

بعد ارتكاب (جبهة النصرة) مجزرة بحق 23 مدنيًا من الدروز، في قرية “قلب لوزة” في ريف إدلب، أصدرت الجبهة بتاريخ 10 حزيران/ يونيو 2015، بيانًا قالت فيه: إن عدة عناصر من مقاتليها شاركوا في المجزرة “دون الرجوع إلى أمرائهم، وبمخالفة واضحة لتوجيهات قيادة جبهة النصرة، وما إن وقعت الحادثة، انطلقت عدة وفود ولجان من جبهة النصرة؛ للوقوف على الحادث بأنفسهم، وتطمين أهالي القرية، والتأكيد على أن ما وقع خطأ غير مبرر، وأنه تم بدون علم القيادة، وما زالت القرية وأهلها آمنين مطمئنين تحت حمايتنا، وفي مناطق سيطرتنا، وأن كل من تورط في تلك الحادثة، سيقدَّم لمحكمة شرعية، ويُحاسب على ما ثبت في حقه من دماء، وما ذاك إلا تحكيم لشريعة ربنا التي ما أُسست النصرة -منذ البداية- إلا لرفع رايتها وتطبيق أحكامها”.

 

تطمينات فرع تنظيم “القاعدة” في سورية للشعب السوري، ولأهالي “قلب لوزة” ليست بحاجة إلى هذا البيان على أي حال؛ ذلك، أن الخوف الذي يعتري معارضين من وجوده قبل الموالين للنظام، ومن مشاركته في عمليات لن يكون الأخير، من بينها مشاركته في “الملحمة الكبرى” في حلب، أبلغ دليل على المستقبل الذي ينتظر سورية بوجود هذا التنظيم، وتنظيمات “أقل قاعدية” منه تسمى في يوميات الإعلام السوري المعارض والعربي بــ “المعارضة المعتدلة”.

وخارج موضوع التراتبية في التطرف والعلاقة مع الإسلام الحربي، يجدر الوقوف لدى “الخطأ الفردي” الذي أودى بــ 23 شخص على أساس هويتهم الطائفية، وخصوصًا أن البيان آنف الذكر قد اختُتم بالقول أنّ “مثل هذه الأخطاء واردة الحدوث لدى الجميع، لكنها دائمًا ما تُوأد في مهدها بفضل الله، طالما أن رقابنا جميعًا خاضعة لشرع الله عز وجل”. عمومًا، لا يبدو أن تغيير اسم الجبهة وفك ارتباطها بــ (القاعدة) كفيل بــ “وأد الاخطاء في مهدها”.

جلّ تنظيمات الإسلام الحربي المقاتلة في سورية اليوم، هي مما يترتب على تجاوزها “الأخطاء الفردية” تغييرًا في بنيتها، وتحولها إلى تنظيمات على النقيض من الحالية، أسوةً بالأسدية التي ستفقد كل شيء، لو أن “عصاها السحرية” فعلت فعلها، أقله في الخلاص من ارتباطها الاسمي بالعائلة الحاكمة، وانهيار النظام بقرارٍ مستحيل منه.

 

في أحوال الحرب عمومًا، والحرب السورية خصوصًا، ترسخ الأفكار الساذجة، وتتمكن في شرائح من المجتمع جاهزة، في ظل الاصطفافات الحادة؛ لتلقف التبرير والتفسير البسيط لظواهر وبنى، تنتصب في وجه المستقبل، وترسمه على شاكلتها وأيديولوجيتها. تعويم التبرير للديكتاتورية السابقة والديكتاتوريات المقبلة، وعدّ ممارساتها خطأ فرديًا على أي حال، مختلف عن الرؤية الانتقائية لطرف دون آخر، في ظل تفسير كل شيء بالإسلام فحسب، أو بالدين، أو بالسياسة، واستطرادًا، فإن الموضوعية كترف في هذه الحالات، تظل مختلفة عن النفَس الاعتذاري التسليمي الذي راج في أوساط بعض النخب السورية، وارتداداتها إلى مواقع ما قبل الصراع القائم، كما الاعتذار الذي انتشر على مواقع التواصل بتاريخ 16 آب/ أغسطس 2016، من “تجمع شباب سلحب”، وهم يخاطبون بشار حافظ الأسدـ محتجين على “اعتبار محافظ حماه لهم إرهابيين”، مع اعترافهم بأنهم “أخطأوا في بعض الأمور”؛ ذلك، أن وصفهم بــ “الإرهابيين” هو “مراد المحافظ وبعض الأجهزة الأمنية في المدينة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق