هموم ثقافية

(الفَلْتَةُ الدرامية) وعلمانية النظام

يعيش الفن السوري أزمة أخلاقية كبيرة، نتيجة ما أفرزه الواقع السوري، ما بعد الثورة، فالفن -مثله مثل باقي المؤسسات السورية- أصابه التصدع والانشقاق، ولاسيما بعد أن أعلن العديد من الفنانين السوريين رفضهم للمعالجات الأمنية المرتكزة إلى القمع، والتي قابل بها النظام احتجاجات الشارع السوري، ووصل الأمر إلى اعتقال بعض الفنانين، وضرب آخرين وتهجيرهم.

 

وفي الجهة الأخرى برز تيار ما يُسمى بـ”فناني النظام” الذي حمل على عاتقه تلميع صورة النظام، بل تجاوز هذه المهمة إلى التشبيح الفضائي علانية، من خلال الدعوة إلى قتل كل معارض، كما أعلنت رغدة وفواخرجي ولحام وأنزور وغيرهم.

 

وترتب على ذلك المضي في تشويه المعارضة السورية، وإظهارها على أنها طارئ غريب على المجتمع السوري، وأن النظام السوري هو الحصن “العلماني” المنيع؛ الأمر الذي حدا بهم إلى الخروج بأعمال درامية لا تمت إلى الواقع السوري بصلة، بل تتناقض معه. فبدل تشويه المعارضة، قاموا بتشويه المجتمع ككل، وبالتالي، تحول الفن إلى أداة قتل بيد النظام، وتشويه بيد الدراما.

 

هذا ما نراه -هذه الأيام- على شاشات الفضائيات، حيث إن الانفلات، بل “الفلتان” الأخلاقي يتصدر المشهد الدرامي، فهو عبارة عن مسلسلات لتعرية المرأة لا الواقع، لتصبح العلمانية -في الدراما السورية- هي تسليط الضوء على الحدث، وتضخيمه، وجعله ظاهرة، لا مكان للأخلاق فيها. إنها الحرب التي تكسر حاجز الجمال -والتعبير الصادق المفترض- كقيمة عليا للفن؛ لتتعداها إلى الحض على المزيد من العنف، في ظل التناسي، بل التغافل، عن حالة المجتمع السوري الرازح تحت ويلات الحرب وآثامها، لتبرز صورة مصطنعة لسورية التي لا نعرفها بالتأكيد؛ الغارقة في الملذات المتنكرة للقيم والآداب العامة للمجتمع السوري بل العربي أيضًا. فالقائمون على صناعة الدراما السورية يعتقدون بأن “العلمانية”، تعني فيما تعنيه (تعرية المرأة والإتجار بقضيتها) على الرغم من معرفتنا –جميعًا- أن ما يسعون إليه يمكن أن يكون أي شيء، ما عدا الفن.

إنّ تجاوز الدراما السورية مرحلة “التطبيل” التي وصفها أحد الفنانين بـ “بمرحلة التوحش”، لا تقل خطرًا وفتكًا عن آلة النظام الحربية، فالمتابع لهذه الدراما خلال السنوات الست الماضية يلحظ -بكل وضوح- ما يُمكن تسميته بـ “الفن العقائدي” التوأم الشقيق للجيش العقائدي، وكلاهما أمعن فينا قتلًا وتهجيرًا وتشويهًا.

وأخيرًا وليس آخرًا، لا بدّ من إيصال رسالة قديمة- جديدة، مفادها: إن أي عمل “فني” لا تستطيع العائلة الاجتماع على مشاهدته لما يحتويه من مشاهد لا تتلاءم والقيم الأخلاقية والجمال الإنساني، هو عمل فاشل يعبر عن فكر رخيص، فيا صنّاع الدراما السورية شلّت أياديكم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق