أدب وفنون

حلب الثقافة حلب الولاّدة

المدن العظيمة لا تموت، هكذا تريد حلب أن توصل رسالتها، ليس إلى السوريين وحسب، بل إلى البشرية جمعاء، صرخت وناشدت العالم، لكنها لم تنحن، إنما صبرت على البلوى من خلال إيمانها بقوة الحياة لا بهشاشة الموت، نعم. فكيف للثقافة أن تموت، وللفكرة أن تُصلب أو تُشوى؛ فالفكرة روح تنبعث بأحرف عصرها في كل زمان ومكان، من بين ملامح البشر؛ لترتسم في الأزقة والحارات وزخارف النوافذ واتكاء الورد، هكذا تتوالد لتصبح -عصرًا بعد عصر- أفكارًا، وتصبح والمدينة أمًّا وجَدّة.

 

إنها حلب فكرة المدَنيّة الأولى التي صمدت كبذرة حياة، لا حالة تراث فحسب، فعندما أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) في عام 1986، المدينة القديمة فيها بأسرها، على لوائح التراث العالمي، كانت المدينة تعج بالحياة، ورائحة مبانيها وأزقتها وأسقف أسواقها، كانت رسائل حيّة إلى المستقبل، وليست “نيكاتيف” عن ماضٍ يتم استعراضه.

 

في ذلك الحين لم يكن أحد، من تلك المنظمة الدولية للثقافة، يتوقع أن يأتي اليوم الذي تساهم فيه منظمة الأمم المتحدة للسياسة، بالاستهتار بما أعلنته “اليونسكو”، وبالصمت على جريمة حصار تلك المدنية، كما لم يكن أحد من السوريين -أيضًا- يتوقع أن جيشًا غير جيش هولاكو، وغزاة أو مرتزقةً غير المغول، سيفتكون بالمدينة طعنًا ونهبًا ولَهبًا.

في عام 2006 أُعلنت حلب عاصمة الثقافة الإسلامية؛ لما تحتويه من تراث إسلامي، إن في شكل الجوامع أم في مخزون ذاكرتها، أم في مآذنها وعادات أهلها؛ حتى أسواقها وطرازها الفريد، وامتداداتها العميقة، تأخذ زائرها إلى تلك الحضارة الإسلامية العتيقة والمعتقة، بما اكتسبته من خلطة العقول والتزاوج والعادات قبل الإسلام وخلاله، وبعد عشرة أعوام من ذلك التاريخ، أي في تموز/ يوليو 2016، يوضع الجميع أمام مفارقات الزمن الغريبة، يُقصف متحف حلب ويُدمّر جزء منه؛ فتدين منظمة “اليونسكو” ما تعرّض له من اعتداء وتدمير، بينما لا نسمع صوتًا من المنظمات العربية والإسلامية كافة، فمن أين ابتدأت حكايات الإدانات أو الصمت أو التسويف والقلق.

 

في 29 أيلول/ سبتمبر 2012، التهمت النيران أسواق المدينة القديمة، وفي آب/ أغسطس 2012، قُصفت البوابة الخارجية لقلعة حلب، فأدانت (اليونسكو) حريق السوق القديم، وناشدت حكومة النظام السوري الالتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية التي وقّعت عليها لحفظ التراث، وأعربت عن قلقها البالغ لما تتعرض له معالم المدينة، وإرثها الثقافي، وهوية البلد الحضارية، واستمرت التنبيهات والدعوات الدولية من “اليونسكو” للالتفات إلى واحدة من أقدم مدن التاريخ، وبقي أصحاب القرار خارج إرادة اتخاذ القرار. لا شك في أن من لا يكترث بحياة الإنسان، لا يكترث بإرث ثقافي، فإن كان الأسد قد استهتر بالبشر، فلن يراعي حرمة تاريخ أو حضارة في حجر أو أثر. إنه نظام لا يدرك من أين تأتي الفكرة، وكيف لتلك الفترة أن تصنع الحياة.

 

هي حلب أم الثقافة ورائدة الحضارة، عندما تدخلها تتوقع أن تجد المتنبي واقفًا بعنفوانه في ساحة من ساحاتها، وتتوقع أنك ستسمع صوته ينساب ما بين بيوتها ليقول:

عشقتك يا شهباء والحب سنّتي             وما كنت أدري قد سننت فنائيا

ففي حلب الدنيا تجلى خلودها              وها جئت فيها أستعيد خلوديا

حلب بإنسانها وثقافتها وتراثها، تنتصر لنفسها الآن، وتفك حصارها، وربما ستسجّل على أيقونة حريتّها أنها، وإن خذلتها مدن العالم ومثقفوها، ستبقى بذرة الحياة المدنيّة، ككل الأمّهات الولّادات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق