هموم ثقافية

هل تغيَّرتُ بعد خمس سنوات؟!

بلى، فقد تغيَّرت، حتى لو أنِّي لم أُدرِك هذا لِوَهلةٍ، ثمَّ نظرتُ إلى نفسي في المرآة، لا يَهمُّني أنّ الشيبَ قد غزا شَعري أكثر، أو أن تلك التجاعيد، وذلك الحزنَ قد ازدادت كثافَتُهُ سوادًا في عينيّ، على الرغم من احتفاظي بابتسامتي الساخرة من كلِّ شيءٍ، بما في ذلك سُخرِيَتِي من نفسي.

 

لستُ جميلًا مثلَ نرسيس؛ لأرى صورتي على صفحةِ الماء، فلا أُفارِقُهَا، لكنِّي نظرتُ إلى ذاتي في مِرآةِ ذاتي، وفي كلِّ ظنّي:

كلُّ مَن لا يتغيَّرُ يموت، إيجابيًا كان تغيُّرُهُ، أم سلبيًا.

فهل تغيّرتُ حقًا منذ أولِ صرخةٍ للحريّة، وبعد خمس سنوات من دمنا السوريّ المُستبَاح، ومن كلِّ هذا الدمار، ومن فساد الأرواح وخراب الأمكنة معًا، ومن ذلك التهجير المُمَنهَج والمَسكوتِ عنه؟!

بلى، فقد تغيَّرت، صِرتُ أكثرَ حُريّةً في قَولِ ما أُريد، ولكن بلا وطنٍ أحكي وأكتبُ فيه ما أريد.

 

ولستُ مُهتمًّا بكلِّ الخسائرِ الشخصيَّة التي كابَدتُهَا وتكبَّدتُهَا: نفسيّةً أو ماديَّةً؛ فأن تفقِدَ وطنًا.. فتلكَ أكبرُ الخسائر، لا يُعَوِّضُهُا أحَدٌ، أو يُخفِّفهَا بَلَدٌ آخرَ غيرَ بَلَدِك، حتى لو كنتَ في غيرِ بلدِكَ، سَيِّدَ نفسِكَ، وحُرًّا بأقصى ما تَمَنَّيت.

 

كما أنّ الحنينَ إلى ما كُنتُ عليه في بلدي، مرَضٌ لا يُصِيبُنِي من شِدَّةِ اليأس الذي كنتُ فيه، إلى شِدَّةِ البؤسِ الذي أنا فيه، و لم أُصَب بهِ -أيضًا- في تغريبتي؛ فما كنتُ في بلدي بأحسنَ حالًا مِمَّا أنا اليومَ فيه، و لم أعِش أيامًا وَردِيَّةً في بلدي، سوى ما قَلَّ ونَدَر؛ لأقِفَ الآنَ على أطلالِهَا فأرثيها، ولطالما كانَ كَفَافُ يومي من عائداتِ ما أكتبُهُ، حتى لو أنَّه غالبًا، يكادُ يَسُدُّ الرَمَقَ في بلدي، كما هو الحالُ معي -أيضًا- في تغريبتي.

مع ذلك فقد تغيَّرت!

كنت لا طائفيًا قبل الثورة، فصرتُ أكرَهُ كلَّ طائفيٍّ، حتى لو كان من طائفتي، ولا طائفةَ لي سوى قلمي، ولستُ مِمَّن تأخذهم أوهامُ الأغلبيّة والأقليات؛ فلطالما كنتُ أومِنُ بأنّ نظيفَ ذات روحِهِ ويديه، هو الأقليَّة في كلِّ أغلبيةٍ، وفي كلِّ أقليِّة.

 

وكنت قد  تواصلتُ، عبر الفيسبوك لعامين مُتواليين، مع شابٍ يستخدم اسمًا مستعارًا، وما يزال يعيش ضمنَ مناطق سيطرة النظام الأسديّ في دمشقَ، ثمّ أسرَّ لي بأنّه في خليّةٍ اغتيالٍ للضبّاط الأسديّين، تابعةٍ للجيش السوري الحرّ، وتلك الخليَّةُ اغتالت بالفعل بعضًا منهم، ثم بدأ الشاب يتطرَّفُ عادًّا كلَّ عَلَوِيٍ هدفًا مشروعًا لعملياتهم؛ فذكّرتُهُ بالمُوَالِينَ السُنَّة: وزراءً في حكومة الأسد، وأعضاءً في مَجلِس غَنَمِهِ تحت قبّة البرلمان السوري، الذي قد تمّ اختطافه منذ أول انقلاب إلى آخر توريث، وتجارًا وسماسرةً وصناعيين في غرف تجارة وصناعة دمشق وحلب وسواهما…إلخ؛ فما كان من الشاب إلا أن حَظرَنِي عن صداقته الافتراضية!

هل تغيّرتٌ فعلًا؟!

 

بلى.. فقد صِرتُ أقلَّ وطنيةً، وأكثرَ إحساسًا بالمُواطَنة المتساوية لكلِّ أبناء وطني، حين رميتُ كل تلك الشعارات الوطنية الزائفة مضمونًا وبلاغةً لفظية، خارج قاموس مفرداتي اليومية.

وقد صِرتُ أقلَّ قوميةً وأكثرَ تضامنًا مع سِوَايَ من قوميّات السوريين؛ بل إنّي أجادلهم حول أوهامِهِم عن قوميّاتِهِم، لأتخلّصَ من أوهامي عن قوميتي.

 

وكنتُ رميتُ خارج ذاتي كلَّ أوهام العلمانويّة المُشوّهَةَ، التي أفرزها النظام وأحزاب جبهته غير الوطنية وغير التقدمية؛ فأدركتُ بأنّ علمانيّتي لا تجعلني أقطع مع تراثي العربيّ والإسلاميّ، بل تجعلني امتدادًا لحركة التنوير والعقل فيهما، كما لا تجعلني أقطَعُ مع المسيحية الشرقية التي هي جزء من ثقافتي كسوري، لا بوصفها كهنوتًا وكُرسيّاً رسوليًا، وإنما بما هي عليه ثقافة حياةٍ وتسامحٍ وحوار، وبما أنا عليه مذ نشأتُ في بيئةٍ اجتماعية مختلطة من المسلمين والمسيحيين السوريين.

 

بل إني اكتشفتُ -وأنا في بلدي- بأن هناك إسلامًا شعبيًا سوريًا ومسيحيةً شعبيةً سورية، لطالما حَرَصَ النظام على ترويضها وعلى إلحاقها بمؤسسات استبداده.

 

وكما كنتُ أرى حزب الله وهو في أوجِ قتاله ضد إسرائيل، حركةَ طائفية مذهبية؛ أحاوِلُ منذ اختطفَ أمراءُ الحرب ثورتَنَا السورية، ألا أقعَ في انفصامِ الشخصيَّة؛ فهؤلاء لا يُحَارِبونَ من أجلِ ما خرَجَت له مظاهراتُنا السوريّة بالحرية والعدالة والمساواة، وإنما لاستبدالِ شموليّةٍ بعثيّةٍ استبداديّةٍ، صارت مَلَكِيَّةً جمهوريةً وراثية، بشموليةٍ إسلامويَّة صارت على أرضنا السورية إماراتٍ وخلافاتٍ غير راشدة، وليس لديَّ أدنى شكٍ في أنهم سيمنعونني عن رأيي وعن كتاباتي، وربما عن نمط حياتي الشخصية بواسطة هيئات حِسبتِهِم (الشرعيّة)، إذا ما عدتُ إلى بلدي، وبالضبط، إلى ما قد حرَّروه من مناطق الجيش السوريّ الحرّ، ومن مناطق النظام، كما مَنَعَ النظامُ كثيرًا من السوريين عن حقّ الاختلاف وعن حرّية التعبير.

 

فهل تغيَّرتُ فعلًا بعد خمس سنوات من ثورتنا الكبرى على الاستبداد والفساد؟!

لا أزعمُ بأنِّي قد تغيَّرتُ كليًا؛ فما زالت أعراضُ ما قد عشته في بلدي تنتقل معي؛ وأحاول مع كلِّ حقيبةٍ تغريبةٍ جديدة؛ أن أُلقيها خارجًا فلا تجتاز الحدودَ والعواصم معي؛ وبأنّي مثلَ بلدي؛ ومثل أبناء بلدي، بحاجةٍ إلى ثورةٍ دائمةٍ ويوميةٍ تغيُّرُني من داخلي أيضًا؛ وبأن خمس سنوات كانت كافيةً بالنسبة لي لأُسَائِلَ نفسي عن كلِّ يقيناتها السابقة؛ وأن أدرك كيف عشتُ خمسين عامًا؛ و كيف أعيش الآن منذ خمس سنوات بأكثفَ من كلِّ ما عشته؛ و كيف سأعيش لاحقًا ما تبقى لي؛ وبالضبط، كيف سيعيش أولادي وأحفادي في بلدي، من بعدي.

 

كنتُ على يقينٍ أيضًا بأنّي سأموتُ في بلدي؛ وقد اهتزَّ كثيرًا هذا اليقين؛ ثمّ اتضح لي بأن الموت هو أن يموتَ بلدي في داخلي قبل أن أموت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق