أدب وفنون

من أفياء الروح

لعله من العسير على المرء أن يقارب ذاته، أو يحاول استبطان دواخلها حيال مسألة ما، دون المرور بالفضاءات التي وسمت هذه الذات بألوانها، وبخاصة إذا كانت هذه المقاربة تتجاوز تخوم ما هو شخصي، وتمتدّ نحو ما هو إنساني عام.

ما يلزمني بالابتعاد عن شخصنة قضيتي الذاتية، هو أنني كنتُ واحدًا من أبناء جيلي (مواليد الستينيات)، الذين أتاحوا لأحلامهم الإفصاح عن ماهيتها -كلٌّ وفقًا لما يعتقد ويرى بمطلق حريته وإرادته- إلا أن الظلم الذي طالهم أوجد -قسرًا- حالة مشتركة بينهم، هي حالة وطنية عامة.

 

قد أجيز لنفسي اتخاذ تواريخ أراها لصيقة بسيرورة تجربتي، فضلًا عن أن هذه التواريخ صالحة جدًا لتوثيق ما هو عام ومشترك. لقد كان خريف عام 1986 -وهو العام الذي تم اعتقالي فيه- مثقلًا بكل احتقانات فترة الثمانينيات المريرة، بدءًا من المواجهة الدامية بين نظام الأسد وجماعة الإخوان المسلمين، والتي انتهت بانقضاض السلطة الأسدية على كل تيارات المعارضة السورية، والتنكيل بها أيّما تنكيل، مرورًا بالاجتياح الاسرائيلي لبيروت في حزيران عام 1982، وإخراج منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، ثم تنكيل نظام الأسد بما تبقى من المخيمات الفلسطينية كمخيم نهر البارد والبداوي في العامين 83 – 84، وذلك في موازاة صعود نجم آية الله الخميني، الذي ظهر كمنقذ للعرب والمسلمين، وواعدٍ بتحرير فلسطين، فضلًا عن جملة من الشعارات تُرجمت –فعليًا- في حربٍ مع العراق استمرت ثماني سنوات. وفي العام الذي انتهت فيه حرب العراق وإيران (1988)، ظهر كتاب الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف (البريسترويكا)، حاملًا في طياته ملامح انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان واسطة العقد للمنظومة الشيوعية آنذاك.

 

لعلّ هذا المناخ، الداكن سياسيًا، كانت ترجمته الحقيقية بالنسبة إلينا -كمعتقلي رأي- مزيدًا من السوداوية، ومزيدًا من البؤس النفسي والمعنوي، في وقت كنا فيه أحوج ما نكون إلى بصيص أمل، يمنحنا القدرة على التماسك الداخلي أمام وطأة السجن، ليس بقضبانه الشاخصة بأعيننا وحسب، بل أمام كل مفردات الشقاء والحرمان، وكذلك أمام ممارسات نظام كان – حينها – وحشًا جريحًا، يزداد شراسة كلما اشتدّ نزفه. كنّا ندرك يقينًا -حينذاك- أنّ السجناء هم الهدف الأسهل والخصم الأضعف بالنسبة إلى النظام، وبالتالي، كلّما حوصر وازدادت عليه الضغوط خارجيًا، كان الانتقام من السجناء هو ردّة فعله الطبيعية؛ لردّ الاعتبار إلى هيبة السلطة. ومع نهاية حرب الكويت 1991 -التي كان نظام الأسد من أكبر المستفيدين منها على المستوى الإقليمي- انتهت المحطة الأولى من الاعتقال، مستغرقة خمس سنوات في سجن حلب المركزي، حيث لم أتمكن –خلالها- من رؤية أهلي سوى مرة واحدة فقط، لتبدأ بعدها المحطة الثانية التي تزامنت مع السقوط المدوّي للاتحاد السوفياتي في آذار 1992. قليل منا -كمعتقلين- استطاع أن يخرق حالة الذهول، ويشعر أنه بدأ عصر ترنّح الإيديولوجيات بكافة أصنافها، فليست الأجساد وحدها من يشيخ ويهرم، بل الأفكار أيضًا، إن لم تجد من يعمل على تجديدها.

 

في نيسان من عام 1992، كنا ثمانية عشر سجينًا من أصل مئة وعشرين، حيث أُفرج عن مئة واثنين من السجناء، في كانون أول من العام 1991، واستُثنينا نحن الثمانية عشر، من قوميين وشيوعيين، وكان يراودنا وهم كبير بأنه سيتم الإفراج عنا، إلّا أن هذا الوهم سرعان ما تبدّد، إذ تم ترحيلنا إلى سجن عدرا المركزي بدمشق، وعلمنا بعد وصولنا بساعات أنه ستتم إحالتنا إلى محكمة أمن الدولة العليا، التي لا تحتاج إلى مزيد من التعريف والشرح، إذ تبين أنها (المحاكمة) عبارة عن مساومة أمنية بغطاء قانوني زائف، فضلًا عن كونها صراع إرادات، بين سجناء رأي عزّل وسلطة غاشمة تملك كل وسائل البطش. كانت فاتورة الأحكام تتراوح بين ثلاث سنوات إلى خمسة عشر عامًا، فإن أنتَ أقررتَ بأنك مخطئ بحق وطنك ورئيسك، ومدان أمام أهلك وأبناء بلدك، ونادم على ما اقترفت من إثم، ومستعدٌّ لتقديم قرابين التوبة لرجال المخابرات، فيمكن أن ينالك حكمٌ مخفف أو يُفرج عنك. أما إن أبديت غير ذلك فلك من الحكم أقساه (10 – 15) سنة.

لحظة النطق بالحكم لم أفاجأ كثيرًا، فخمسة عشر عامًا انقضى منها تسعة، وبقي ست سنوات لم أكن أتهيبها، وخاصة أن سجن عدرا فيه مغريات كثيرة، لعل أهمها على الإطلاق الكم الهائل من الكتب المتنوعة، حيث متعة الانهماك في القراءة لا يعرفها إلا من كان مهووسًا بلذة المعرفة، إضافة إلى وجود الراديو والتلفزيون وزيارات الأهل الشهرية التي سُمح بها، فضلًا عن أنني لم أكن متزوجًا آنذاك، وما يزال عنفوان الشباب في النفس ملتهبا.

 

إلّا أن هذا النعيم المتخيَّل سرعان ما استحال إلى جحيم صبيحة (3 -1 -1996)، عندما وجدنا أنفسنا -نحن الثلاثين سجينًا- مقيّدين بسلاسل حديدية، تقلّنا حافلة باتجاه سجن تدمر العسكري، وذلك بعد مرور شهر واحد على مساومة أمنية لم ترض نتائجها القادة الأمنيين للنظام.

 

في سجن تدمر تنعدم كل القيم التي حباها الله للكائن البشري، ويغدو المرء أعزلَ أمام كل ما هو مهين وقذر، حيث لا شيء منك يُستثنى من الإهانة: جسدك روحك أحلامك… في الباحة الرابعة من سجن تدمر وفي المهجع 24، رأيت وعايشتُ كيف يُجبر السجين على أكل الفأر الميت، وعلى شرب البول، وعلى التعرّي أمام السجان! كما رأيت كيف يموت السجين نازفًا تحت ضربات الهراوات، وكيف يموت نتيجة سحق الأمعاء بالأحذية العسكرية! عايشتُ كيف يُجبر السجين على أن يصيح بأعلى صوته واصفًا أمه أو أخته بالعاهرة… كم تبدو اللغة هزيلة وعاجزة عن النهوض بالمضامين القذرة المركومة في سجن تدمر. وحدها الحيوانات السائبة حول سور السجن -التي كان يترامى صوتها إلى أسماعنا أواخر الليل- وحدها كانت تحظى بنعمة الأمان، وكنّا نحسدها كثيرًا على ذلك. ست سنوات -هي الشطر المؤلم من الاعتقال- أنهيتها في سجن تدمر، في أواخر العام 2001. ربما كان ديواني الثاني (رماد السنين) الصادر عام 2004 والذي انتشلته من السجن بذاكرتي، هو المجال الأرحب لتجليات تلك المرحلة.

 

مساء 13-11-2001 أصبحت خارج السجن، وذاكرتي مفعمة بكل مفردات الشقاء، لكنّ قلبي يهفو إلى كلّ مواطن النبل والجمال والخير في العالم. ثمة نداء خفيّ بأعماقي يضجّ تضرّعًا إلى زملائي المعتقلين هامسًا: لا تمنّوا على أحد باعتقالكم، فهذا عطاء منكم، لا تفسدوه بالمنّ والأذى، ولا تتسوّلوا بإرثكم الجميل أمام المنظمات والهيئات الإنسانية، فلن تكونوا لديها أكثر من مادة إعلامية، ولا تبحثوا عن ثمار شقائكم في الجوائز الزائفة والمديح المجاني، فالثمار الحقيقية هي في قلوب المخلصين من أبناء وطنكم.

 

وأخيرًا ليس بوسعي أن أخفي شعوري بالخجل من زملاء وأصدقاء لي، قضوا في السجن أكثر من ربع قرن؛ لا يذكرهم أحد سوى أنين ذكرياتهم، وما زالوا يتدثرون بجراحهم بعيدًا عن الأضواء، لكنهم صامدون في مقارعة الطغيان؛ يناضلون بصمت دونما ضجيج؛ أجسادهم شاخت، ولكن أحلامهم بالحرية تتجدّد كل يوم. وإذ أعتذر من جميع هؤلاء الأحبة، فإنني في الوقت ذاته أتوجه إليهم بكل الإكبار والإجلال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق