مقالات الرأي

في تشخيص حال الفلسطينيين… وما العمل

لم تكن أوضاع الفلسطينيين، في أي مرّة، مريحة أو مقبولة، منذ النكبة التي أحاقت بهم عام 1948، أي: منذ حوالي سبعة عقود، لكنها هذه الأيام تبدو غاية في الصعوبة والتعقيد والانسداد، إذ انحسرت أهمية قضيتهم في الأجندات العربية والدولية، وأضحت إسرائيل بمنزلة الدولة الأكثر استقرارًا وحيوية في الشرق الأوسط، من كل النواحي، في مشرق عربي يتعرض للتفكّك الدولتي والمجتمعي. فوق هذين، ثمة الحركة الوطنية الفلسطينية إلى تسير نحو الأفول، بعد تحولها إلى سلطة، ولا سيما بعد إخفاق خياراتها في الانتفاضة أو في المفاوضة، كما في الكفاح المسلح أو التسوية، والأخطر من كل ذلك، أن وجود الفلسطينيين كشعب بات يتعرض للتآكل، بسب حصر هذه الكلمة بفلسطينيي كيان السلطة في الضفة وغزة، مع تآكل مجتمعات الفلسطينيين في بلدان اللجوء والشتات، من سورية إلى لبنان والعراق، فضلًا عن الانقسام والاختلاف بين فتح وحماس، وتهميش منظمة التحرير.

 

مثلًا، منذ أكثر من أربعة عقود، ذهبت الحركة الوطنية الفلسطينية نحو خيار التسوية عام 1974، الذي تمخض عن عقد اتفاق أوسلو المجحف والجزئي والناقص عام 1993، والمشكلة أنها مازالت عند هذا المربع، على الرغم من أن إسرائيل رفضت هذا الخيار، وظلت تتملص من استحقاقاته، وتشتغل على فرض الاحتلال كأمر واقع.  في الغضون لم تنتبه القيادة الفلسطينية، أو لم تبال، لحقيقة أن إسرائيل مانعت التسوية حتى إبان وجود (الاتحاد السوفييتي) وإبان وجود الحد الأدنى لتماسك النظام العربي، وأنها لم تنفذ استحقاقاتها في اتفاق أوسلو، رغم أنه اتفاق ناقص ومجحف، وأن الولايات المتحدة تقف وراءه. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، على ماذا تعول القيادة في إصرارها على المضي في هذا الخيار؟ أو على من؟ وإلى متى؟

 

القصد من هذه التساؤلات لفت الانتباه إلى أن كل الأحاديث عن التسوية لا معنى لها، سوى تلميع صورة إسرائيل، وتعويم الطبقة السياسية الفلسطينية السائدة، مع تكلس النظام الفلسطيني الذي بات مستهلكًا، ومتقادمًا، ويفتقد للأهلية الكفاحية، مع تآكل الحركة الوطنية الفلسطينية. وبالمقابل فإن هذا الكلام لا يعني أن البديل هو الكفاح المسلح، أو أي شيء من هذا القبيل؛ لأن هذا الأمر في الأوضاع الراهنة، أي: في أوضاع خراب المشرق العربي، والمداخلات الخارجية في الإقليم لن تقدم للفلسطينيين شيئًا بل ستستنزف قواهم وتجعلهم وقودًا في هذه الصراعات، بل وقد تؤدي إلى زعزعة مجتمعاتهم على نحو ما حصل في سورية والعراق ولبنان.

 

من ناحية أخرى فإن مشكلة الفلسطينيين لا تتوقف على خياراتهم السياسية، أو على انسداد أشكال الكفاح أمامهم، وإنما هي تطال كياناتهم السياسية، وهذا يشمل المنظمة والسلطة والفصائل، التي تبدو متقادمة ومتكلسة وتتجه نحو الأفول في مكانتها ودورها، لاسيما بعد تحولها من حركة تحرر إلى سلطة، لجزء من شعب على جزء من أرض. والحال فنحن هنا إزاء أزمة سياسية شاملة، أي أزمة خيارات سياسية، وأزمة بني تنظيمية، وأزمة أشكال كفاحية، فضلًا عن أنها أزمة في التفكير السياسي، مع أفكار سياسية لم تعد تقدم شيئًا.

 

بديهي أن الحديث عن الأزمة الفلسطينية يستدعي الحديث عن البديل، بيد أن تفحّص هذا الأمر يبيّن أن القصة ليست على هذه السهولة، وأن الفلسطينيين غير متمكنين من أحوالهم تمامًا، إلى الدرجة التي يستطيعون فيها تغيير خياراتهم، أو تغيير كياناتهم السياسية، مع انكشافهم إزاء المداخلات الخارجية، ومحدودية قدراتهم. وربما من المفيد التذكير هنا أننا نتحدث عن كيانات سياسية، تستند إلى قاعدة شعبية واسعة، تتكون من قرابة ربع مليون موظف (في السلكين المدني/ الخدماتي والأمني)، وهي تمثل مجتمعًا قائمًا بذاته من مليون أو مليون ونصف من الأفراد، من الموظفين وعائلاتهم، الذين يعتمدون في موارد عيشهم على السلطة؛ هذا أولًا. ثانيًا، من المفيد لفت الانتباه إلى أن الشرعية الفلسطينية لا تنبع اليوم من الوضع الداخلي، وإنما تنبع أكثر من الوضعين العربي والدولي، وحتى الإسرائيلي بعد قيام السلطة، فبدون هذه الشرعيات لا يمكن لشرعية فلسطينية أن تستقر وتترسخ.

 

ثالثًا، ينبغي التذكير بواقع عدم وجود الفلسطينيين في إقليم مستقل، أو في مجتمع، محدد ومتعين، وتوزعهم في بدان متعددة، مع خضوعهم لأنظمة سياسية مختلفة ومتباينة، ما يضعف من قدرتهم على التفاعل وإيجاد حقل سياسي طبيعي، وهذا بدوره يسهل على القيادة الفلسطينية، ويصعب من تخليق مجتمع فلسطيني مدني، كما يضعف من قدرة الفلسطينيين على توليد بديل أو على معارضة السياسات والخيارات التي تنتهجها قيادتهم.

 

على ذلك فإن البديل المتاح بالنسبة للفلسطينيين، وبعيدًا عن العواطف والرغبات والأمنيات، يكمن في عدّ الوضع الراهن بمنزلة فرصة لمراجعة تجربة نصف قرن، وقراءتها بصورة نقدية مسؤولة، وفي حسم المواقف باتجاه إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس جديدة مؤسسية وديمقراطية ووطنية، وعلى أساس رؤية سياسية تستعيد تطابق بين قضية فلسطين وأرض فلسطيني وشعبها. أيضًا، فإن البديل الكفاحي المتاح اليوم للفلسطينيين في هذه الأوضاع الصعبة، ووفقًا لإمكانياتهم وقدراته، يفترض أن يتأسس على وقف نزيف وتفكك مجتمعات الفلسطينيين بوصف ذلك الوجه الآخر للعملية الصراعية ضد المشروع الإسرائيلي، والعمل على تقويتها، وتنمية مؤسساتها وإطاراتها السياسية والاقتصادية والثقافية.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق