كلمة جيرون

عندما تَضعف الدولة

تضعف الدولة، عندما يحكمها نظام أمني شمولي، ويهيمن عليها (جلاوزة) المخابرات والعسكر، ويسيطر عليها حاكم لا يرحم، يعتمد العنف وسيلة للتعامل مع الشعب، ويُحوّل الجيش والأمن إلى عصا بيده، ضد كل من يخرج عن طاعته، وتصبح حكومته مظهرًا، وبرلمانه ملهاة.

وتضعف الدولة، عندما يصبح دستورها لعبة بيد الحاكم، يُعدّله متى وكيف يشاء، ويتحكم بالسلطات الثلاث معًا، ويّحوّل القضاء إلى أداة فاسدة بيده، ويسمح لبطانته بخرق القانون، أو يُطبّقه بانتقائية، وينتهك حقوق البشر دون حساب، وتصبح سجونه رعبًا لا يُحتمل.

وكذلك تضعف وتتفكك الدولة، عندما ينخر فيها نظام تمييزي، يُكرّس التنافس الطائفي والمذهبي، ويلعب على هذا الوتر؛ لتصنيف الشعب وتمزيقه، وإرعابه من الآخر، ويختبئ وراء طائفة ليقمع ويقهر ويذل أخرى، وعندما يصف شعبه بالإرهابي، دون أن يطرف له جفن، فيُشوّه قيم المواطنة والهوية، ويدفع الجميع للحديث عن أكثرية وأقلية، ثم يدّعي أنه حامي التنوع وضامنه.

وتضعف الدولة كثيرًا، عندما تتراكم الثروات بيد الزعيم وأسرته، وحين يستحوذ رجال الأعمال من أقاربه وحاشيته على معظم الصفقات التجارية ومناقصات الدولة، ويوزّع المكاسب والإدارات والامتيازات وأملاك الدولة كمكرمات، ويصبح الفساد نهجًا وسياسة من سياساته الثابتة.

كما تضعف الدولة وتُنتهك، عندما ينسج النظام علاقات استراتيجية مع دول مارقة، لها سجلات سوداء في كل شيء، ويُسمح لها باستباحة الشعب وقتله، لتُمرر مشاريعها (الوسخة)، مقابل حماية كرسيّه…

عندما تضعف الدولة، يُطل التعصب برأسه، سياسيًا كان أم دينيًا أم قوميًا، ويزداد شره كثيرين إلى السلطة والنفوذ، وتصبح (العضلات) أهم من العقل، ويبدأ الجميع بتحدي الجميع، وتختلط الأولويات، الوطنية بالقومية بالدينية، وينسى كثيرون الموضوع الأهم، الذي هو الوطن.

وعندما تضعف أيضًا، يبدأ كثيرون برسم خططهم الجانبية، وتعمّ المؤامرات، وتكثر التحالفات القلقة والمتناقضة والموقتة، ويختلط المعارض بالوصولي، ويكثر التزوير والتلفيق والادعاء، ويتصالح الانتهازيون، ويزداد ولعهم بالسلطة، ويتّحدوا لتمرير برامجهم، دون تفكير بجدواها أو نجاعتها أو وطنيتها، وتكبر آمالهم بالهيمنة على أكبر قطعة ممكنة من (قالب الحلوى).

وكذلك، عندما تضعف الدولة، يرتفع صوت الطائفية السياسية، وينشط التطرف الديني، وتنتعش الخلافات المذهبية، ويزداد (الجنون) القومي، وتُحلّق الأحلام الانفصالية، وتبرز هويات صغرى، قبلية وعشائرية ومذهبية وإثنية، ويلتبس مفهوم الوطنية، وينخفض صوت العقل، ويغيب المنطق، وترفرف الحرية مبتعدة عن طالبيها.

من الخطأ الانطلاق في معالجة النتائج مع بقاء الأسباب، فلا يمكن معالجة ما أفرزته الدولة الضعيفة دون اجتثاث من أضعفها أساسًا، ولا يمكن معالجة التعصب القومي الأعمى، أو التشدد الديني والتطرف، أو الانتهازية السياسية والوصولية، دون اقتلاع النظام السياسي الذي تسبب بها، ولا يمكن معالجة الشره للسلطة والفساد والاعوجاج والآثام، دون تنحية العقل المُخرَّب الذي نشرها، ولا يمكن القضاء على الهويات الصغرى ما قبل الوطنية، دون انتزاع النظام الذي فرّخها، كما لا يمكن إعادة الحقوق، إلا بمحاسبة من انتهكها، ولا يمكن وقف المصائب إلا بقطع شرايين من ولّدها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق