تحقيقات وتقارير سياسية

مخيم خان الشيح في الرمق الأخير بأسلحة المقاومة والممانعة

يعاني مخيم خان الشيح للاجئين الفلسطينيين، بريف دمشق الغربي، حصارًا جزئيًا، منذ منتصف آذار/ مارس من العام 2013؛ ما أدى إلى جانب عمليات القصف والقنص اليومي إلى أوضاعٍ إنسانية صعبة جدًّا، دفعت بعدد كبير من سكان المخيم إلى النزوح خارجه، وقسم منهم هاجر خارج سورية، ويؤكد ناشطو المخيم أن حملة النظام، وحليفته موسكو، بلغت ذروتها قبل ما يقارب الثلاثة أشهر، حيث صعّدت الأخيرة قصفها على المخيم بشكلٍ غير مسبوق؛ ما جعل نسب الدمار داخله تتجاوز الـ 40 بالمئة، تزامنًا مع المحاولات المستمرة؛ لقطع طريق المخيم-زاكية، المتنفس الوحيد لمن تبقى من السكان داخل المخيم، في ظل أوضاعٍ إنسانية بائسة، تفتقر إلى أبسط المقومات التي تحتاجها مثل هذه الأحوال.

 

أسباب استهداف المخيم

بلغ عدد سكان المخيم، حتى عام 2011، 25 ألف نسمة، وما تبقى منهم -اليوم- لا يتجاوز 12 ألفًا من الفلسطينيين، إضافةً إلى نحو 4 آلاف نازح من المناطق المجاورة، وفق مصادر من داخل المخيم، وعلى الرغم من الحالة المدنية للمخيم، وعدم وجود أي مظاهر مسلحة داخله؛ فإن قوات النظام، والميليشيات المساندة لها، تستهدفه -دائمًا- بالقصف والقنص، علاوة على الغارات المتواصلة من سلاح الجو الروسي؛ ما يجعل الأسئلة الكثيرة عن الأسباب الحقيقية لاستهداف المخيم -بالمعنى السياسي- محقةً.

 

وحول هذا الموضوع، قال الناشط الإعلامي، محمد أبو وطن، لـ (جيرون): “على الرغم من الحالة المدنية للمخيم، وعدم وجود أي مظاهر مسلحة داخله، إلا أن هناك إصرارًا من النظام وحلفائه على استهدافه يوميًا، فحتى اللحظة، يتعرض مخيم خان الشيخ للقصف المتواصل، بالبراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية والقنابل العنقودية، الملقاة من المقاتلات الروسية، وأعتقد أنه لا يوجد أي مبرر لاستهداف المخيم، إلا ضمن مخططات سياسية تهدف لإنهاء الوجود الفلسطيني في جنوبي سورية، والمستفيد الوحيد هو العدو الإسرائيلي”. موضحًا:” الهدف الحقيقي من وراء كل ما يجري، يكمن في أن الروس موجودون -الآن- على الأرض داخل الفرقة السابعة ببلدة زاكية، والفرقة العاشرة في مدينة قطنا؛ وبالتالي، فالمنطقة بأكملها باتت لها أبعاد استراتيجية ضمن مخططات موسكو، ولدينا معلومات مؤكدة تفيد بأن الروس أبعدوا الميليشيات الإيرانية، وميليشيات حزب الله، عن خان الشيح والمناطق المجاورة، ضمن مساعٍ روسية لجعل الغوطتين، إضافةً إلى مناطق درعا والقنيطرة مناطق نفوذ لموسكو؛ بناءً على تفاهمات مع الإسرائيليين، تتعلق بترتيب مستقبل هذه المناطق، ولا سيما الأقرب إلى الحدود، ويأتي في قلب هذه الترتيبات إنهاء ملف المخيمات الفلسطينية جنوبي سورية، والتي من الممكن أن تشكل بؤرًا أمنية، تُقلق إسرائيل مستقبلًا”.

 

من جهته قال الصحافي قصي عمامة (راديو اليرموك 63) لـ (جيرون): ” في المشهد العام، لا تختلف أسباب تدمير مخيم خان الشيح، عن الأسباب التي أدت إلى تدمير غيره من المخيمات الفلسطينية في سورية، باستثناء أن لا حجة عسكرية واضحة تخص هذا المخيم تحديدًا، فالمخيم خالٍ من أي نشاط عسكري تابع للمعارضة السورية، وهناك معلومات وصلت إلينا، تفيد بأن مخيم خان الشيح تحديدًا، تداخلت فيه مصالح إسرائيلية ومصالح عسكرية روسية، وتراجع كبير لدور النظام السوري؛ إذ أن تنسيقًا عسكريًا روسيًا إسرائيليًا قد ظهر في المخيم خلال الأشهر الماضية، كمشاركة طائرات إسرائيلية (استطلاع على الأقل) في عمليات القصف، فيما طلبت موسكو، وبشكل شبه رسمي، من جهات عدة إخلاء المخيم؛ كي تجعله منصةً للهجوم باتجاه مناطق المعارضة، وهو طلب إسرائيلي ايضًا؛ لأن أي وجود فلسطيني على مقربة من حدود دولة الاحتلال، بات اليوم أكثر إزعاجًا مما مضى”.

 

كذبة الموقع الاستراتيجي للمخيم

ركزت وسائل إعلام عديدة، خلال الفترة الأخيرة، على موضوع الأهمية الاستراتيجية لمخيم خان الشيح، وهو ما نفاه ناشطو المخيم، وفي هذا السياق أكد أبو وطن أن المخيم قريب من بعض المواقع العسكرية للنظام، مثل الفوج 168، تلة الكابوسية والفوج 153، وكذلك الفرقة السابعة، إلا أن ذلك لا يعني أن موقع المخيم استراتيجي بالنسبة لخرائط الصراع، وأضاف:” كل ما يقال عن الأهمية الاستراتيجية للمخيم، والتي جعلت النظام وحلفاءه يرغبون في تحويله إلى قاعدة انطلاق ضد مواقع فصائل المعارضة المسلحة، هو كلام عارٍ عن الصحة، ولا يعبر عن الواقع، لأن المخيم يشكل نسبة 20 بالمئة من كامل منطقة خان الشيح، الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة؛ وبالتالي، لا يمكن السيطرة ميدانيًا عليه، دون السيطرة على المنطقة كاملة”، ويتفق معه الناشط، عماد مسلماني من المخيم، حيث قال لـ (جيرون): “لا توجد أي أهمية استراتيجية للمخيم، وكل المناطق المجاورة له، أو المحيطة به مهمة، من الناحية العسكرية والاستراتيجية، أكثر منه بكثير، ولكن يبدو أن هناك مخططات أكبر، تدفع باتجاه التخلص من وجوده؛ فلا أعتقد أن تزامن الهجمة المتواصلة من سلاح الجو الروسي على المخيم، مع المناورات العسكرية الروسية – الإسرائيلية في أسدود وحميميم، كان مصادفة، بل يأتي في صلب التفاهمات بين الجانبين”.

 

لا مستشفيات داخل المخيم والأونروا شريكة في الجريمة

أدت حملة القصف الممنهج من الطيران الروسي، إضافة إلى الاستهداف المتواصل بالبراميل المتفجرة، واستمرار الحصار الجزئي، وقنص الطريق الوحيد الذي يربط المخيم بجواره، إلى أوضاع إنسانية صعبة، في ظل غياب شبه كامل للحاجات الطبية وغيرها، وهو ما أكده أبو وطن بالقول: “اليوم، لا يوجد أي مستشفى داخل المخيم، والنقطة الطبية الوحيدة توجد في مزارع خان الشيخ، كمستشفى ميداني للمعارضة، يتم الاعتماد عليه في علاج الجرحى والمرضى، في المخيم يوجد مستوصف بدائي للأونروا، خالٍ من أي كوادر طبية، باستثناء طبيبة واحدة، واختصاصها أطفال، ونسبة العجز داخل هذا المستوصف تتجاوز 90 بالمئة في ما يتعلق بالحاجات العلاجية”، مضيفًا: “على صعيد الوضع المعيشي، يعاني أكثر من 75 بالمئة، ممن بقي داخل المخيم، من تبعات الحصار، وانعدام فرص العمل، ولا يوجد أي مصدر رزق لكثير من العائلات، سوى بعض المساعدات التي تصل -أحيانًا- كل شهر أو شهرين، من بعض الجهات الإغاثية والمدنية في المنطقة”، ولم يختلف مسلماني مع أبو وطن، وأكد “الوضع الإنساني من سيئ إلى أسوأ، لا توجد مستشفيات داخل المخيم، لا يوجد أي فرن، الصيدلية الوحيدة إن دخلتها ستجدها خالية، باستثناء بعض المسكنات، إضافةً إلى الصعوبات البالغة في إدخال المواد، وارتفاع الأسعار بشكل كبير”.

 

وعن دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) رأى أبو وطن أن الأخيرة شريكة في الجريمة المُرتكبة بحق أهل المخيم؛ لأنها أوقفت عملها داخل المخيم، وترفض إدخال المساعدات الغذائية والطبية منذ أكثر من سنتين، وأضاف: “ليست الأونروا وحدها من تنكرت لمسؤولياتها تجاه اللاجئين الفلسطينيين، فهناك أيضًا منظمة التحرير الفلسطينية، التي لم تبدِ أي اهتمام بمخيم خان الشيح، على الرغم من أنه خالٍ من وجود عسكري أو مظاهر مسلحة، وسيبقى ملف المخيمات في سورية وصمة عار على جبين المنظمة والفصائل الأخرى؛ فكيف يمكن أن نفهم نكران الأخيرة مسؤوليتها تجاه ما يحصل لمخيم اليرموك؛ بذريعة وجود المتطرفين (داعش وفتح الشام)، تزامنًا مع الصمت المطبق للمنظمة وقيادتها عن تدمير مخيم خان الشيح، الخالي من أي وجود عسكري، وباعتراف فصائل المعارضة المسلحة العاملة في المنطقة، عبر بيانها الذي أكدت فيه أن لا وجود لها داخل المخيم، مشددة على أن المخيم حالة مدنية بعيدة عن أي مظاهر مسلحة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق