سورية الآن

أكراد تركيا ما بعد توقف عملية السلام

أعلن حزب العمال الكردستاني، في 12 حزيران/ يونيو من العام الماضي، التخلي عن وقف إطلاق النار، وتجميد العملية السياسية مع الحكومة التركية، ونفَّذ على إثرها عدة عمليات عسكرية، صغيرة الحجم، وعُدَّت عملية قتله رجلي شرطة تركيين، في شهر تموز/ يوليو من العام نفسه، بداية عملية التصعيد الحالية مع الحكومة التركية، التي شنت -بدورها- حملتها المضادة في كل من ولاية شرناق، وديار بكر، وهكاري، وقضاء نصيبين في ولاية مردين، ترافقت مع غارات عنيفة استهدفت مواقع حزب العمال الكردستاني في كل من جنوب شرقي تركيا، وشمالي العراق.

 

نشر موقع (خبر ترك) إحصاءات لقوات الأمن التركية، عقب انتهاء العمليات العسكرية ضد تنظيم “حزب العمال الكردستاني” التركي، في بعض البلدات من جنوب شرقي تركيا، أظهرت وجود حواجز وخنادق، وصل عددها إلى 258، كما أعلن وزير الدفاع التركي، فكري إيشيق، مقتل أكثر من 7600 مقاتل من هذا الحزب، في تركيا وشمالي العراق، منذ بدء عمليات الجيش التركي على الحزب في يوليو/ تموز العام الماضي.

 

يرى الباحث ميديام يانيك في دراسة أعدها لمركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (سيتا) ونشرها موقع (ترك برس) “أن حزب العمال الكردستاني، وبمساعدة جناحه السياسي، حزب الشعوب الديمقراطي، سعى في الفترة الأخيرة، وخاصة بعد الانتخابات البرلمانية، إلى إدارة منطقة شرقي وجنوب شرقي الأناضول بصورة مستقلة، بعيدًا عن الإدارة الحكومية، الأمر الذي أشعل فتيل التعارُض والخلاف بينهما، وبين الحكومة التركية، التي أوعزت لهم أكثر من مرة، بأن ما يقومون به من جمع ضرائب ومحاكم ميدانية وغيره من الأفعال، أمر غير قانوني، وسيتم أخذ جميع الإجراءات لصدّه، ولكنهم لم يُصغوا إلى ذلك، بل أصمّوا آذانهم بأصابعهم، وأداروا ظهورهم للحكومة التركية، وهذه هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير، وأشعلت الحرب والاقتتال بين الجانبين، شيئًا فشيئًا”.

 

كذلك أكد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، حزم الدولة في مواجهة الدعوات الصادرة عن حزب الشعوب الديمقراطي؛ لإقامة إدارات ذاتية في المناطق ذات الأغلبية الكردية، جنوب شرقي البلاد، لافتًا إلى أهمية الوحدة الوطنية في مواجهة النزعات الانفصالية.

 

تعدّ الحكومة التركية ما يسمى بــ “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي السوري، وجناحه العسكري، ميليشيا “وحدات حماية الشعب”، الفرع السوري لـ “حزب العمال الكردستاني”، كما تعدّ أن ما يحدث في تركيا، على الساحة الكردية، امتدادًا لما يحدث في سورية.

 

كتب محمد بارلاس في مقال له في صحيفة (صباح) التركية القريبة من حزب العدالة والتنمية الحاكم، أن التفجيرات والأعمال الإرهابية التي استهدفت تركيا خلال الفترة الماضية “منبعها سوريا والعراق”، حيث تتوفر برأيه الأرض المناسبة والخصبة للتنظيمات الإرهابية، وأكّد على أن “الإرهابيين الذين يضربون استقرار تركيا، وخاصة في جنوب شرقي البلاد، تم تدريبهم في سورية، ويتم تهريب الأسلحة لهم عبر الحدود من سورية والعراق، حيث تم إنتاج تنظيم إرهابي جديد في سورية باسم حزب الاتحاد الديمقراطي، وبات يعترف -علنًا- بارتباطه بتنظيم حزب العمال الكردستاني”.

 

في السياق ذاته، نقل موقع (ترك برس) تصريحًا لمسؤول استخباراتي تركي رفيع المستوى، قال فيه: إن الولايات المتحدة الأميركية عملت على وضع نظام تقني مضلل، لإشارة الهواتف والأجهزة اللاسلكية، المستخدمة من عناصر تنظيم (حزب العمال الكردستاني)، في منطقة قنديل العراقية، ولفت المسؤول إلى أن الدولتين اللتين تصنعان هذا النوع من الأجهزة، التي تضلل المواقع اللاسلكية، هما إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.

 

أما ما يخص مواقف الاتحاد الأوروبي، الذي دعا في أكثر من مناسبة إلى وقف إطلاق النار في جنوب شرقي تركيا، والعودة إلى مباحثات السلام، فإن تركيا لا تنظر بارتياح حيال احتضان دول أوروبية لقيادات من حزب العمال الكردستاني، وهو ما تحدث عنه  الكاتب التركي، أمين بازارجي، في مقال له في جريدة (أكشام) التركية، حيث انتقد فيه ما أسماه “شراكة الدول الأوروبية مع تنظيمات إرهابية في تركيا”، وقال: “لو فرضنا أن تركيا تقوم بالاتفاق مع (داعش)، وتقنعه بأن عدو تركيا هو تنظيم حزب العمال الكردستاني، وحزب الاتحاد الديمقراطي الإرهابيين، ماذا سيقول الناس والدول الغربية عن تركيا؟ بالـتأكيد لا يمكن قبول هذا الاتفاق…، إذن، لماذا عندما تسمح الدول الغربية لنفسها بمثل هذا التصرف، لا ينتقدهم أحد؛ فهناك ازدواجية في تصرفات هذه الدول، في ما يخص التعاطي مع الإرهاب”.

 

الثابت لدى طرفي الصراع قناعتهما السابقة بأن النهج العسكري لن يؤدي إلى نتيجة، فجولات القتال السابقة بين الجانبين انتهت بالفشل، بعد أن كلّفت أعدادًا كبيرة من الضحايا، لكن التغيرات الكبيرة في المنطقة، وخاصة ما يحدث في سورية والعراق، والدور الكبير الذي بات يلعبه الأكراد في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية ضد (داعش)، خلق واقعًا جديدًا في المنطقة، قد يدفع الأكراد إلى التفكير جديًا في تحقيق حلمهم في إقامة دولتهم الكردية المستقلة، مستفيدين -في الوقت ذاته- من رغبة القوى الإقليمية والدولية باستخدام الملف الكردي كورقة ضغط؛ لتحجيم دور تركيا على الساحة الإقليمية والدولية، وهو ما يُفسّر الخطوات التركية الأخيرة، نحو تطبيع العلاقات مع روسيا وإسرائيل، لمحاولة قطع الطريق على الأكراد الذين استفادوا -بشكل كبير- خلال الفترة الماضية، من تأزم موقف تركيا إقليميًا ودوليًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق