مقالات الرأي

الأيديولوجيا وإشكالية الأولويات

منذ تفجر الثورة السورية، برزت إشكالية الانتماء الأيديولوجي ومسألة الأولويات، في مواقف السوريين عمومًا من هذه الثورة، ونحن نستخدم مصطلح “الأيديولوجيا”، في هذا السياق، بمعناه الوصفي لا التقييمي-القدحي. فالأيديولوجيا المقصودة -هنا- لا تتمثل في الوعي الزائف أو المقلوب، وإنما تتمثل في الرؤية المنظورية-الوصفية-التقييمية للعالم، كما هو كائنٌ، وكما ينبغي له أن يكون. وانطلاقًا من هذا التعريف، يمكن الحديث، في السياق السوري الثوري تحديدًا أو خصوصًا، عن الأيديولوجيا الإسلامية والأيديولوجيا اليسارية والأيديولوجيا القومية (الكردية خصوصًا).

والسؤال هنا هو كيف تعامل المنتمون أو المتبنون لهذه الأيديولوجيات مع مسألة الأولويات في الثورة السورية؟ وإلى أي حدٍّ كانوا “وطنيين” في تبنيهم لتلك الأيديولوجيات، وفي تعاملهم مع مسألة الأولويات؟ وقبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال المركب ينبغي، من جهةٍ أولى، التشديد على أن أولوية الثورة السورية، بوصفها “ثورة الحرية والكرامة”، تتمثل في التحرر أو التخلص من التنظيم الأسدي واستعادة الكرامة المسلوبة وصولًا إلى بناء الدولة/الوطن لكل السوريين؛ كما ينبغي، من جهةٍ ثانيةٍ، تبيان أن معيار الوطنية، في هذا السياق، يكمن في تبني أولويات الثورة السورية، والسعي إلى تحقيقها لكل السوريين، بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية.

 

لقد أظهر بعض الأيديولوجيين “الأقحاح” (اليساريين خصوصًا) ترددًا في تأييد الثورة، قبل أن يسارعوا إلى رفضها ومعارضتها، بذريعة (تزايد) طابعها الديني “المتطرف”، ولكونها “مدعومةً” من قبل الامبريالية الأميركية والرجعية العربية؛ وعلى هذا الأساس، أصبح هؤلاء المعارضون الأيديولوجيون، معارضي المعارضة والثورة بالدرجة الأولى، أكثر من كونهم معارضين فعليين للنظام، في المقابل، برز سؤال الأيديولوجيا والأولويات لدى الثائرين ومؤيديهم: هل نقبل بالتحالف مع المناهضين للنظام (الداخليين منهم والخارجيين) بغض النظر عن مواقفهم وتاريخهم، أم ينبغي لنا أن نختار تحالفاتنا بعناية، لأن عدو عدوي ليس صديقًا لي بالضرورة، بل قد يكون عدوًّا لي أيضًا؟ لقد كانت الإجابة عن هذا السؤال معقدةً ومركبةً، ليس على الصعيد العملي (أي بالنسبة إلى الثائرين على الأرض وفي خضم المواجهة) فحسب، بل وعلى الصعيد النظري (أي بالنسبة إلى المنظرين المؤيدين للثورة وللأشخاص الذين يحاولون تمثيلها سياسيًّا) أيضًا.

 

ينبغي التشديد -بدايةً- على أنه من الصعب الحديث، على الصعيد العملي، عن قدرةٍ فعليةٍ على الاختيار بين بدائل حقيقيةٍ مقبولةٍ ومتمايزةٍ، بالنسبة إلى الثائرين على الأرض، ولعل ما حصل -أخيرًا- في معركة فك الحصار عن حلب، يعطي مثالًا أنموذجيًّا لانعدام هذه القدرة الفعلية على الاختيار. فلقد واجه كثيرٌ من الثائرين موقفًا، بدا فيه أنه بإمكانهم الاختيار بين الرضوخ لحصار حلب، وما يعنيه من تجويع وذلٍ وموتٍ واستسلام لعشرات بل مئات الألوف من السوريين الموجودين في المناطق الخارجة عن سيطرة تنظيم الأسد وحلفائه، أو التحالف مع تنظيماتٍ إسلاميةٍ تبدو معاديةً لآمالهم في دولةٍ وطنيةٍ ديمقراطيةٍ، تحفظ حرياتهم وتضمن المساواة في الحقوق والواجبات بينهم، بوصفهم مواطنين سوريين. لقد رأى هؤلاء الثائرون أنهم أمام تخييرٍ مصطنعٍ أو ميتٍ، لأن القبول بحصار حلب ليس خيارًا (مقبولًا) على الإطلاق، بالنسبة إليهم؛ لذا لم يتردد معظمهم في القتال إلى جانب تلك التنظيمات، لأنهم رأوا في ذلك خيارهم الوحيد للتخلص من الحصار، في ظل حشد تنظيم الأسد وحلفائه، وتجاهل “العالم” للمأساة التي حصلت، وتحصل، في حلب وغيرها من المناطق الثائرة. ولهذا نعتقد أنه لا يحق لأي جهةٍ انتقاد الثائرين على الأرض في خصوص تحالفاتهم أو اختياراتهم، إذا لم يأخذ هذا الانتقاد في الحسبان معطيات، أو تعقيدات، الواقع الذي يعيش فيه ويواجهه هؤلاء الثائرين، والأولوية المبدئية شبه-المطلقة بالنسبة إليهم، والمتمثلة في عدم الاستسلام لتنظيم الأسد، واستمرار الثورة إلى أن تحقق أهدافها الأولية المتمثلة في التخلص من هذا التنظيم.

 

على الصعيد النظري، تبدو القدرة على طرح إشكاليات الأيديولوجيا والأولويات أكبر، وأكثر وضوحًا. فقد أظهرت الأيديولوجيا الإسلامية رغبةً متزايدةً في إضفاء الطابع الإسلامي (السني تحديدًا)، لا على الثورة فحسب، بل وعلى مؤسسات الدولة ودستورها ونظام حكمها بعد النجاح المأمول للثورة. ولم يأبه الممثلون لهذه الأيديولوجية، لا لإشكالية رغبتهم، ولا حتى لإشكالية المجاهرة بها، وخطر ذلك كله على قدرة الثورة على تحقيق أهدافها الأولية الأساسية، كما لم يكترثوا كثيرًا لتاريخهم المظنون أسودَ، بحقٍّ أو بدونه، ولم يعملوا على مراجعة هذا التاريخ والاستفادة المفيدة من دروسه. وقد أسهم هذا الاتجاه الأيديولوجي النظري، لدرجةٍ أو لأخرى، في إسباغ السمة الدينية على الثورة، مع ما في ذلك من ابتعادٍ عن السمة الوطنية.

 

أما الأيديولوجيا القومية، فبرزت خصوصًا لدى بعض السياسيين الأكراد الذين ركزوا على طرح همومهم وأهدافهم القومية الضيقة، المتعلقة بالوضع السياسي والثقافي للأكراد ومناطقهم المفترضة، أكثر من تركيزهم على تناول الهموم والأهداف الجامعة للسوريين وثورتهم، وقد أفضى هذا التركيز إلى أن يمسي اختلافهم مع معظم الثائرين على النظام، أكبر من اختلافهم مع النظام ومعارضتهم له. ولهذا تم اتهامهم بالتحالف مع النظام، بل وبالعمالة له، في حين أنهم، فيما يبدو لي، قد صاروا طرفًا ثالثًا متمايزًا عن النظام وعن المعارضة المتبنية للثورة على النظام، في الوقت نفسه، ومع الأخذ في الحسبان للظلم “التاريخي” الخاص الذي تعرض له الأكراد من الانظمة الديكتاتورية و”العروبية” الحاكمة، في العقود الخمسة أو الستة السابقة على الثورة، لا مفر من الاعتراف بالطابع اللاوطني (المنافي للوطنية السورية)، أو غير الوطني (المغاير للوطنية السورية من دون أن يكون معاديًا له بالضرورة) لهذه الأيديولوجيا.

 

أما الأيديولوجيا اليسارية، فقد برزت في مسألتين: الأولى بوصفها رد فعلٍ على الأيديولوجيا الإسلامية، والثانية، بوصفها أيديولوجيا تنحاز إلى الفئات الفقيرة، وتناضل من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية؛ فبوصفها رد فعلٍ على الأيديولوجيا الإسلامية أو “الإسلاموية”، حاولت تلك الأيديولوجيا الحد من تطلعات الأيديولوجيا الإسلامية في إضفاء الطابع الإسلامي على الثورة، وعلى نظام الحكم المنشود في مرحلة ما بعد الثورة. ولهذا قامت الأيديولوجيا اليسارية بالتشديد على فكرة العلمانية، وقد اتخذ هذا التشديد، في بعض الأحيان، أشكالًا ومضامين معاديةً لا للإسلام السياسي فحسب، بل وللإسلام بوصفه دينًا ومعتقدًا شعبيًّا ولكل المؤمنين به أيضًا. وكان ذلك سببًا في نشوء ردة فعلٍ مضادةٍ تؤكد إسلامية، بل وإسلاموية، معظم أفراد الشعب السوري، وتشدد على ضرورة أخذ ذلك بعين الاعتبار في أي تصورٍ لسورية المستقبل. وفيما يتعلق بتركيز الأيديولوجيا اليسارية على قيمة المساواة والعدالة الاجتماعية-الاقتصادية، بدا أن ذلك التركيز يتعارض، تعارضًا جزئيًّا على الأقل، مع أولوية قيمة الحرية في الثورة السورية. كما أن الاستناد إلى معايير اقتصادية-اجتماعية في تصنيف السوريين، والانحياز إلى قسمٍ منهم دون آخر، قد يتعارض، أو لا يتطابق على الأقل، مع التصنيف الذي يتخذ من الموقف السياسي-الوطني من النظام، والثورة عليه، معيارًا أساسيًّا وأوليًّا له، بغض النظر عن الانتماءات الطبقية والاقتصادية والاجتماعية.

 

من الواضح أن إشكالية الأيديولوجيا ومسألة الأولويات تحتاج إلى مناقشةٍ مفصلةٍ ومطوَّلةٍ، ونعتقد أن تلك المناقشة ينبغي أن تأخذ في الحسبان العديد من النقاط الأولية-الأساسية، ويأتي في مقدمتها العامل الزمني، فقد مضى على انطلاق الثورة أكثر من خمس سنواتٍ ونصف السنة. ونعتقد أن مشروعية طرح الأولويات الأيديولوجية المغايرة لأيديولوجيات الثورة، قد ازدادت مع مرور الزمن، لأسبابٍ كثيرةٍ، يأتي في مقدمتها أن الثورة تتمحور بدايةً حول الرفض السلبي أو السالب لما هو كائنٌ، قبل أن تبدأ لاحقًا وتدريجيًّا في بناء تصورٍ إيجابيٍّ لما ينبغي أن يكون. ونحن نستخدم مصطلحي “السلب” و”الإيجاب”، في هذا السياق، بالمعنيين المنطقي والوجودي، وليس بالمعنى التقييمي-الاخلاقي. ويمكن لهذا البناء الإيجابي أن يعزز مشروعية الرفض الثوري السلبي الأولي، لكن يمكنه، في المقابل، أن يتخذ أهدافًا جديدةً، قد تتقاطع مع أهداف الثورة، لكنها لا تتطابق معها، من ناحيةٍ، وقد تتناقض معها، من ناحيةٍ أخرى.

 

ويمكن لأخذ العامل الزمني بعين الاعتبار أن يفضي إلى تحقيبٍ أو تمييزٍ لمراحل في هذه الثورة، تظهر فيه الاختلافات الجوهرية أو الكبيرة بين الثورة في مرحلتها الأولى والثورة في مرحلتها الحالية. وتزداد مشروعية المجاهرة بالانتماء الأيديولوجي ومعقولية بل وضرورة الانقسام الناتج عنه، بقدر الاعتقاد بأن الثورة السورية، بوصفها ثورة السوريين من أجل الحرية والكرامة، قد انتهت، وأن مرحلةً جديدةً من هذه الثورة، بوصفها صراعًا محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، قد حلت محلها. ويعطي هذا التحول مشروعية، ويؤسس لضرورة، تبني منظومةٍ مختلفةٍ من الأولويات والأهداف تتلاءم مع الانتماءات الأيديولوجية المختلفة، من جهةٍ، ومستجدات الواقع، من جهةٍ أخرى. وإذا كان التركيز على أولويات الثورة السورية والابتعاد عن كل النقاشات التي يمكن أن تثير الفرقة والشقاق، يمكن أن يتخذ أحيانًا شكل التقية السياسية الممجوجة، فإن المجاهرة بالانتماء الأيديولوجي والخروج من أولويات الثورة السورية (بدون الخروج عليها بالضرورة) يمكن أن يفسح مجالًا لامتلاك أسس ٍ وأدواتٍ ومرجعيةٍ فكرية غنيةٍ وواضحة المعالم.

 

في كتاب “النقد الذاتي بعد الهزيمة”، يأخذ العظم على الحركة الثورية الاشتراكية العربية، ممثلةً بنظام عبد الناصر خصوصًا، بأنها لم تكن ثوريةً بما فيه الكفاية ولا اشتراكيةً بما فيه الكفاية؛ ويدلِّل على ذلك بمساواتها أو إلغائها التمييز بين اليميني واليساري، بحجة أن كلًّا منهما وطنيٌّ. فالعظم المتبني لمشروع هذه الحركة الثورية آنذاك يعطي أولويةً للانتماء الأيديولوجي على الانتماء الوطني، ولا يرى، حتى في حالة الحرب وبعد الهزيمة في المواجهة مع العدو، معنىً للتحالف مع الوطنيين غير المتبنين للأيديولوجيا التي يرى فيها خلاصًا للشعوب العربية ومجتمعاتها بلدانها.

 

من المبكر الحكم على الدور الذي لعبته أو كان ينبغي أن تلعبه القرارات والخيارات الأيديولوجية في تحديد مسار الثورة ونتائجها، لكن يبدو أن دور السوريين في تحديد مصير بلدهم يتناقص تدريجيًّا، لصالح أدوارٍ إقليميةٍ ودوليةٍ أخرى. وإن استعادة هذا الدور أو تعزيزه يستدعي أو يتطلب بناء أيديولوجيا وطنيةٍ، تقوم بمراجعة الانتماءات الأيديولوجية التقليدية (يمين/يسار، قومي/إسلامي) وتجاوزها إلى رحابٍ فكريٍّ-سياسيٍّ أوسع. فلا معنىً للحديث عن كوني يساريًّا لا يمينيًّا في وقتٍ، أرى فيه أولوية الحرية بوصفها تحررًا من الاستبداد؛ ولا معنىً لإعلاء الانتماء القومي أو الديني أو التشديد على حضوره في المجال السياسي، في وقتٍ أطالب فيه بدولة المواطنة المتساوية، بغض النظر عن الانتماء القومي أو الديني.

 

وعلى الرغم من المسحة الرومانسية الغالبة في حديث بعض السوريين عن الوطنية السورية وعن سورية بوصفها وطنًا لكل السوريين، فإن نظرةً مدقِّقةً في هذه الوطنية المتبناة يمكن أن تبيِّن عدم وجود وطنيةٍ سوريةٍ (ناجزةٍ) يمكن الاتكاء عليها والانطلاق منها. فهذه الوطنية هي مشروعٌ نرغب فيه، ونسعى إلى خلقه وتحقيقه والانتماء إليه، أكثر من كونها أمرًا ناجزًا ومتحقِّقًا فعليًّا. فسورية كانت بلدًا يقطن فيه السوريون، وليست وطنًا ينتمون إليه ويتبنون هذا الانتماء.

 

والثورة السورية هي محاولةٌ للانتقال من سورية الأسد إلى سورية الوطن، من التنظيم الأسدي إلى النظام الديمقراطي. وإذا كانت هناك وطنية سورية ما، في ظل حكم تنظيم الأسد، فإننا نعتقد أن الإرهاصات الأولى لتجليها قد بدأت مع تعاضد السوريين الثائرين، من المدن والمناطق السورية الثائرة المختلفة، مع بعضهم بعضًا، في وجه طغيان التنظيم الأسدي. وفي ظل هذا الغياب المظنون للوطنية الناجزة، يبدو مشروعًا ومعقولًا طرح الأيديولوجيات أو الأولويات الأيديولوجية المختلفة، لكي يتم أخذها في الحسبان، في أي عقدٍ اجتماعيٍّ سياسيٍّ مستقبليٍّ، لا غنىً عنه لأي وطنيةٍ متوخاةٍ.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق