مقالات الرأي

انتصار الثورة السورية أساس لتحرر المرأة

تبقى العبارة الأهم التي ثبتها تاريخ الفكر الإنساني الكوني، والمتعلقة بحرية المرأة وتحررها، بمضمونها الذي يقول “إن درجة تقدم المجتمع تُقاس بمستوى تحرر النساء”، لكن موضوع تحررهن، بأدواته وأشكاله، وأثمانه، اختلف، وبختلف من مجتمع إلى آخر. والمكان الأكثر صعوبة لذلك التحرر، هناك -هنا-  في بلادنا، حيث يُقيم التخلف والاستبداد أخطر الحواجز وأكبر الصعوبات في طريق التحرر والحرية، وفي غضونهما تحرر النساء في بلادنا.

 

في سورية، كانت الثورة من أجل الحرية والكرامة، هي البوابة الأرحب لدخول المرأة معركة حريتها، انطلاقًا من انخراطها في النضال الثوري العام من أجل حرية الإنسان السوري، رجالًا ونساءً على حد سواء، فنتيجة للتاريخ الطويل للحكم الدكتاتوري الاستبدادي، ومصادرته لكل أشكال التنظيم والتجمع، ومنعه لأدنى حرية للتعبير، ووقوفه بوجه الإصلاحات الاجتماعية والحقوقية، وسيطرته على ما يسمى (النقابات والاتحادات المهنية) واختزالها إلى أدوات لترسيخ سيادته على البلاد، بقيت المرأة شبه معزولة عن الحياة العامة، ولم تكن قادرة على التعبير عن ضرورة تحررها. هذا مع العلم أن سورية كانت في طليعة البلدان العربية التي انخرطت فيها المرأة، منذ وقت مبكر، في النضال السياسي والاجتماعي، وإن كان ذلك محصورًا بنساء الفئات المتعلمة والميسورة.

 

في الشهور الأولى للثورة، ساهمت المرأة في المظاهرات والاحتجاجات، جنبًا إلى جنب مع الرجال، وأحيانًا بشكل مستقل، بمظاهرات نسائية تجنبًا للاختلاط، ومسايرة لقيم المحافظة الموروثة، وكان لتطور الثورة السلمي المدني أن يتيح للمرأة فرصًا أوسع للقيام بدور كبير، ينطوي ضمنًا على اكتسابهن الحق بالنزول إلى الشارع كجماعات واسعة، وتحت راية السعي إلى الحرية السياسية لكافة أبناء الشعب.

 

كما لعبت ناشطات نسائيات من “النخب”، فنانات وكاتبات ومناضلات سياسيات ومحاميات، دورًا بارزًا في إبراز الطابع المدني لثورة الحرية، وفي إعلاء شأن الحراك الشعبي، وإمداده بالخبرة والتنظيم، وتقديم الصورة الحضارية للشعب السوري خلال انطلاقه بثورته. غير أنهن لم يقمن بعملهن هذا تحت سقف الهموم النسائية الخاصة، ولولا انطلاق الثورة لما استطعن القيام بأعمال مهمة تحت راية “حرية المرأة وتحررها”. أشير إلى هذا الجانب لتبيان حقيقة أن الدرب الذي سلكته النساء لانتزاع مكانتهن في الشأن العام في حياة البلاد، هو درب الثورة السياسية، ولم يكن باستطاعتهن العبور إلى قضية تحرر المرأة وتحريرها على أساس الحقوق الخاصة بالمرأة، ذلك، من جراء تاريخ طويل من الاستبداد الذي شمل المرأة كما شمل بقية قطاعات المجتمع. ولا شك في أن النساء السوريات -قبل الثورة- كان لهن محاولات للتجمع والتنظيم من أجل حقوقهن الخاصة، الاجتماعية والقانونية والاقتصادية، غير أنها بقيت محاولات معزولة، ومُقيّدة بإجراءات السلطة الدكتاتورية، فلم يتشكل في سورية، خلال عهد حافظ أسد ووريثه بشار، أي إطارات نسائية كبيرة وشاملة على مستوى البلاد، فكان الإطار الفوقي الذي يطوق المرأة هو ذاته الذي يطلق عليه “الاتحاد النسائي”.

 

مفاده، أن انطلاق الثورة، شكّل المدخل العملي الواقعي لظهور المرأة مناضلةً من أجل الحرية، والحرية السياسية بالتحديد. فقبل ذلك لم تكن النساء يسهمن، كقطاعات وكتل شعبية واسعة، في الشأن العام، ولا في شأنهن الخاص (حقوق المرأة). وما نتج من استخدام الدكتاتور للقمع الوحشي للتحركات الشعبية السلمية والمدنية، نال أول ما نال من دور المرأة في الحياة خلال الثورة، وفي مشاركتها بها، فأصبح نزولها للشارع يعني الموت أو الاعتقال والخطف والتنكيل والاغتصاب، وزاد الخطر والتهديد للمرأة وتحررها ظهور القوى السلفية الإرهابية مرتدية قناع الدين ومدعية السعي إلى إسقاط النظام، ونالت النساء أعلى مستوى من التهديد والبطش على يد هذه القوى، كما اتضح في الرقة وإدلب وريف دمشق. لكن ومع كل ذلك، أثبتت المرأة السورية صلابتها في مواجهة هذه القوى، ودفعت النساء تضحيات جسيمة في مواجهة الظلاميين، ونزلن إلى الشارع، قدر المستطاع، لينددن بالظلاميين، دون خوف من عقاب، هو القتل باسم “الشريعة” الإسلامية.

 

يحضرني في هذا المجال، تفكير بعض “النخب المثقفة”، في ذهابه إلى التقليل من شأن المرأة السورية خلال الثورة، لأن أغلبية النساء يرتدين الزي المحافظ، أو لخروجهن كنساء بمعزل عن الرجال، وتجاهل هذا “البعض” مستوى التطور الاجتماعي في البلاد بشكل عام، الذي لا ينفصل عن الواقع الاقتصادي، حيث الريف كمنتج للثروات الأساسية، هو البيئة العامة للمجتمع السوري، حتى في بعض المدن ومحيطها، ولم يستوقفه ذلك التحدي الذي أظهرته المرأة، ابنة الشعب، بوجه الوحشية السلفية الإرهابية، بدرجة من الصلابة والوضوح لا تقل عن مواجهتها لوحشية النظام التي سبقت وحشية “الإرهاب”. ومهدت له، ووجد النظام فيه -الإرهاب- ضالته المنشودة للي ذراع الثورة وإلحاق الهزيمة بها، ودائما يحضرني في مثل هذه الحالات -منطق بعض النخب- العبارة الأثيرة على قلبي وعقلي وروحي، للمفكر السوري الراحل (ياسين الحافظ). عندما قال “علينا أن نُخرِج رؤوسنا من الواقع، لا أن نُخرِج الواقع من رؤوسنا”.

 

ففي بلد متأخر، يتسلط الاستبداد الفاشي على مقدراته وحياة أبنائه، وتكتم فيه الأنفاس، لم يكن من طريق لتطور نضال تحرر المرأة وحريتها، إلا متلازمة مع الطريق الثوري الشامل لتحطيم حلقة الاستبداد، وعندما تنخرط النساء في هذا الطريق، يتعلمن ما يصعب تعلمه في عشرات السنين من حياة الركود والخضوع للسلطات المستبدة، وحتى تطور الوعي العام لقضية المرأة، في صفوف الرجال البسطاء، يكون ميسورًا أكثر من مراحل الزمن الرمادي.

 

لقد أثرت بي حادثة بهذا الخصوص، كنت شاهدًا عليها عن قرب، وربما تُلخّص ما أريد قوله في هذا الموضوع، ذلك حين عاد رجل من مدينة داريا من عمله، وشاهد في البلدة مظاهرة نسائية تطلب الحرية، ولما وصل إلى بيته وجد زوجته في البيت فصرخ بها: ماذا تفعلين؟ لماذا لست في الشارع مع مظاهرة النساء؟ فبررت وجودها بالبيت لتحضير الطعام؛ ليكون جاهزًا مع عودته من العمل، فأنّبها، وغضب، ورفض الطعام، فارتدت زيها (المحافظ) طبعًا والتحقت بالشارع.

 

لم يكن الرجل من دعاة حرية المرأة، ولا يمتلك ثقافة (النخب)، لكن الواقع العام في البلد نقله إلى مستوى عملي يوائم ما يحتاجه الناس، ودون أن يحمل أي فكرة، انحاز إلى خروج المرأة -زوجته- لتشارك في مظاهرات الحرية!

 

حقيقة، لقد صدقت الفكرة القائلة: إن الشعوب تتعلم خلال الثورات في أيام، ما لم تتعلمه طوال عشرات السنين.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق