سورية الآن

الفتى السوري

قال إن اسمه عمر وإنه من منبج، قال إن والده حمل أفراد العائلة وأتى إلى بيروت بعد دخول “داعش” إلى المدينة، وإنه يعمل في “ميني ماركت” في بيروت، يوزع الطلبات على بيوت الزبائن، وأن والده لا يعمل لأنه مريض.

 

عمر فتى وسيم في الخامسة عشرة، اسمر البشرة، عيناه ملونتان برمادي يشف عن الأخضر، يعرف جميع زواريب حيّ الاشرفية، ويقول إنه لن يعود الآن إلى منبج.

قلت له إن مدينته تحررت اليوم من “داعش”، فلماذا لا يعودون؟

“تحررت”! قال، وارتسمت على شفتيه ابتسامة سخرية. “سوريا ضاعت”، قال.

“ما معنى ضاعت”؟ سألته؟

أقفل حاجبيه كمن يفكر، ثم قال إنه لا يدري.

“هل تذهب إلى المدرسة في بيروت”؟

“لا”، أجاب.

“لماذا؟ أنت تخسر مستقبلك”.

“مستقبلي”! قال، ثم سكت.

وعندما ألححت عليه في السؤال، قال إن والده كان مدرّسًا في منبج، لكنه لا يعمل في بيروت لأنه مريض، وأن عليه إعالة العائلة هنا، فمن أين يأتي بالوقت ليذهب إلى المدرسة؟

“إذًا فأنت تدرس في المساء في البيت”، قلت. “والدك مدرّس سابق، وأنا متأكد انه يدرّسك في المساء عندما تعود من العمل”.

قال إنه لا يملك الوقت، وروى أنه يعمل من التاسعة صباحًا حتى التاسعة والنصف مساء.
“وبعدين”، سألته، “الا تشتاق إلى منبج”؟

قال إن والده شاعر، “أهل منبج يطلقون على مدينتهم أسم مدينة الشعراء، كل شباب منبج شعراء”، قال.

“أنت شاعر اذًا”؟ سألته.

“كنت شاعرًا”، قال.

“الشاعر لا يتوقف عن الشعر”، قلت، “لا بد أنك تكتب شعرًا بشكل سرّي بين وقت آخر”.

“في بيروت ما في وحي”، قال.

“وكل فتيات “الجبل الصغير” الجميلات ألا يوحين لك بالشعر”؟

“جميلات، لكنهن يتكلمن الفرنسية”.

 

ضحكت وأنا أروي له انهم في تونس يقولون عن من يتكلم الفرنسية أنه يتكلم “بالسوري”. في تونس السوري هو الفرنسي، أخبر فتياتك المتفرنسات أنك لا تتكلم الفرنسية إلا في تونس!

صمت الفتى، أظن أنه اعتقد أنني أسخر منه، وأنا والله لم أكن أسخر إلا من نفسي، وممن يتفاصحون على العمال السوريين بالتكلم أمامهم بفرنسية ملبننة، وهي في الغالب مليئة بالأخطاء.

روى الفتى أنهم غادروا منبج من سنتين، “بدأ أبي يفكر في مغادرة المدينة عندما شاهد تطبيق حد الجلد برجل قُبض عليه بجرم تدخين سيجارة، ثم حسم أمره عندما علم أن عقوبة المدخن لم تعد الجلد فقط بل صارت بتر أصابع اليدين. ابي مدخن شره ورجل غريب الأطوار، قال إنه يفضل الجوع على هذا الذل، وقال أيضًا أنه لن يقبل بأن تلبس زوجته وابنتاه النقاب.

 

“أنتم سعداء في لبنان إذا”؟

“سعداء! نحن غرباء، والغريب ليس سوى غريب”.

هذا الفتى الغريب، والشاعر المؤجل، أخذني إلى مدينته الجميلة، وإلى شعرائها الثلاثة الكبار، البحتري الذي تتلمذ على الشاعر ابي تمام المولود في جاسم من أعمال حوران، وابو فراس الحمداني الشاعر والأمير والأسير، الذي كان أمير منبج، وعمر ابو ريشة أحد كبار كلاسيكيي زمننا الذي أشعل سوريا وبلاد العرب بقصائده. هذه المدينة التي حين تحررت من سلطة نظام الاستبداد الأسدي قدمت نموذجًا للعمل الديمقراطي من خلال مجلسها المحلي المنتخب، جاء تنظيم الدولة الاسلامية ليقوم بوأدها ووأد ثوارها. وأد المدن، هذا هو التعبير الملائم للحال الذي وصلت إليه منبج والرقة والموصل وغيرها من الدساكر السورية والعراقية وهي ترزح تحت سطوة “المجاهدين”، الذين ورثوا الاستبداد بل تفوقوا عليه في الكثير من الأحيان في سياسة الذبح والجلد والسبي التي انتهجوها.

 

كيف سقطت مدن عريقة اغتسلت بالتاريخ وماء الشعر؟ ومن قطع رأس نصب أبي العلاء في مدينته معرة النعمان؟ وكيف قُتل شاعر سوريا الكبير بدوي الجبل؟ ومن أجبر شاعر دمشق نزار قباني على الموت في المنفى؟

“لولا العجوزُ بمنبجٍ/ ما خفت أسباب المنيةْ/ ولكان لي عما سألتُ/ من الفدا نفسُ أبيةْ” هذا ما كتبه شاعر منبج ابو فراس الحمداني، وهو يحن إلى أمه في منبج، عندما كان أسيرًا لدى الروم. لن نعثر اليوم على شاعر أسير، لأن البلد كلها سقطت في الأسر. فسوريا اليوم صارت في يد رعاة هم أعداء شعبها، من المستبد الصغير بشار الأسد وحلفائه إلى “داعش” وأخواتها. “لا يُلام الذئب في عدوانه/إن يكُ الراعي عدوَّ الغنمِ”، كما كتب عمر أبوريشة.

 

الشعراء لم يندثروا، والشعر لم يُختم مثلما ادعى الصاحب بن عبّاد: “بُدئ الشعر بملك وخُتم بملك”، وكان يقصد امرأ القيس وأبا فراس.

لكن ريح زماننا فسدت، وهذا الموج الانحطاطي العالي يجعل من الكلام عن أحزان المدن أشبه برثاء للذات. الفتى السوري الذي كان يمشي في الشارع كانت عيناه مغطاة بغمامة رمادية من الحزن، كنت أريد أن أسأله كيف يرى بيروت، لكنني لم أسأل كي لا أقع على اجابة حذرة مثل “الحمد لله”. سألت عن شقيقتيه، ماذا تفعلان وهل تذهبان إلى المدرسة، فأجاب “مستورة والحمد لله”. التفت إليّ وقال إن شقيقتيه تلبسان الحجاب الآن، “أنت تعلم”، قال “هذه بيروت، وأمي أصرّت على الحجاب”.

 

“وما هو رأي والدك”، سألته.

هز كتفيه إلى الأعلى، وبدأت مشيته تتسارع، وحين وصلنا إلى منزلي، وضع الأغراض في المطبخ، فأعطيته ثمن البضاعة، أخذ المصاري وقال “مرسي”، ثم مضى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق