قضايا المجتمع

وحوش كاسرة في سماء إدلب

لم تنعم محافظة إدلب بالأمان والهدوء، منذ تحريرها من قبضة النظام في آذار/ مارس 2015، كي تستعيد أنفاسها، وتعاود تنظيم مؤسساتها وشؤونها، هذه المحافظة الممتدة على مساحة مهمة بين حماة واللاذقية وحلب، وتقع أيضًا قريبة من الحدود التركية، لا تدفع ثمن تحريرها الذي كان صفعة قويّة للنظام فحسب، بل تدفع أيضًا ثمن ذلك الموقع الجغرافي، بوصفه حيويًا بالنسبة لمعابر الطرق، وكذلك كونها خزانًا حيويًا يغذّي المحافظات والمناطق المحاذية، إن كان بشريًا أو تموينيًا.

 

مجازر عديدة ومتنقلة تعرضت لها المحافظة خلال الأشهر الماضية، يمكن وصفها بأنها حالة انتقام من البشر والحجر، وتشفّي بمنظر الضحايا والدمار؛ ذلك أن أغلب المدن والبلدات التي قُصفت من قبل طيران النظام الحربي والمروحي، ليس لها قيمة عسكرية تُذكر في الوضع الراهن لتمركز قواته على الأرض، ولن تغيّر في معادلة منطقة من الناحية العسكرية، يُضاف إلى ذلك ما تقوم به روسيا من عدوان مستمر على أغلب المدن والبلدات في هذه المحافظة، إذ ومنذ تدخّل الروس لدعم النظام في أيلول/ سبتمبر 2015، كان لمحافظة إدلب نصيب كبير من المآسي التي خلّفها ذلك الطيران القادم من قاعدة حميميم في اللاذقية.

 

الطيران الروسي القادم من مقر القيادة الروسيّة بقاعدة حميميم، بات بالنسبة للمدنيين السوريين كوحش كاسرٍ، آتٍ ليلتهم أجسادهم في بيوتهم وأسواقهم ومستشفياتهم، وبات شريكًا مع النظام بتقاسم إحصاءات المجازر المرتكبة، ففي الأيام الأخيرة وحدها تم استهداف عدد من المدن والمناطق في المحافظة؛ إذ كثّف طيران النظام غاراته على إدلب المدينة، وشملت سوقًا شعبية وأخرى للخُضر، وكذلك كنيسة السيدة العذراء ومنشأة تعليمية، وملعبًا رياضيًا، وهذه الأسواق ليست المرة الأولى التي يتم استهدافها، ففي حزيران/ يونيو الماضي استُشهد وجُرح العشرات في سوق الخضر؛ نتيجة قصف الطيران الروسي، وهي السوق ذاتها التي ارتكب فيه طيران النظام -قبل عام- مجزرة مروّعة، وذلك في آب/ أغسطس 2015، أي قبل مشاركة الطيران الروسي في تلك الغارات على المدن السورية.

 

مدينة أريحا الواقعة جنوب مدينة إدلب، استقبلت -بدورها- حمم الطيران، وودّعت العشرات من أبنائها، فسوقها الرئيسة قد تعرّضت -أخيرًا- إلى عدة غارات، وهي على هذه الحال منذ أشهر، ففي الأشهر الماضية تم استهدافها بأكثر من غارة، حتى بات الأهالي يطلقون عليها اسم “الطريق إلى الجنّة”؛ لكثرة أعداد الشهداء الذين كانوا ضحايا لتلك الغارات.

 

من جانبها دفعت مدينة سراقب، والمناطق المحيطة بها، ثمنًا لعبور هذا الوحش المعدني المتحرك من مطار حميميم، ذهابًا وإيابًا، فقد عاشت -خلال شهر آب/ أغسطس الجاري- على وقع انتقام شبه يومي من المدنيين، عقب إسقاط المروحية الروسية، التي قتل فيها 5 عسكريين روس منهم ضابطين، وأصبح واضحًا أن روسيا تريد أن تأخذ انتصارًا وهميًا أمام الرأي العام، حتى وإن كان من لحم طفولة بريئة، فاستهدافها لكافة المستشفيات التي كانت تعمل في إدلب خلال الأشهر الماضية، يأتي -كذلك- في هذا السياق.

 

وكان طيران النظام -بدوره- قد اعتمد هذا الأسلوب بالقصف المتعمد للمستشفيات، فعلى سبيل المثال قد قصف النظام، قبل عام من الآن، أي: في آب/ أغسطس 2015، عدّة مستشفيات في يوم واحد؛ ليخرجها من الخدمة، فقد دمّر -كلّيًا أو جزئيًا- كل من مستشفى دار الشفاء بمدينة سراقب، ومستشفى أورينت في مدينة كفرنبل، ومستشفى حزارين أو مستشفى حماة الموجود بزارين في الريف الجنوبي لإدلب، وكذلك مستشفى المرور في مدينة إدلب نفسها، وبالمحصلة، فإن هذا الأسلوب تابع الطيران الروسي استخدامه، وهو لا يعبّر عن كفاءة عسكرية، بقدر ما يعبّر عن تردّي في أخلاقيات القتال، كونه مخالفًا الشرائع والقوانين الدولية كلها، وهي التي تجرّم استهداف المدنيين ومنشآتهم الحيوية وما إلى ذلك.

 

إن العدوان المستمر على محافظة إدلب في مناطقها كافة، وجعلها تدفع ذلك الثمن الغالي من دم أبنائها في تلك المجازر التي يقوم بها طيران النظام والطيران الروسي، هو ليس جريمة حرب، يمكن رفعها بوجه من يقوم بها فحسب، بل بوجه تلك القوانين الدولية التي تم تجميدها، بفعل قرارات فيتو جائرة، وكذلك دول فاعلة، ولكن للأسف ما زالت تتعاطى مع تلك الجرائم كأخبار روتينية، دون أن تُستنفر للدفع نحو حماية المدنيين، كما تفرضه أسس المنظمات الدولية المعنية بذلك، وخاصة مجلس الأمن، وإلا ماذا يعني قصف الأسواق إن كان في وقت الذروة أو في أي وقت، وهذا الأمر أيضًا ينطبق على المستشفيات والمنشآت التعليمية والمعابد وغيرها، فالمشهد الدامي في هذه المحافظة واضح بالصوت والصورة، من إدلب المدينة إلى جسر الشغور غربًا، إلى بنش شرقًا، فسراقب جنوب شرق، ومن معرة النعمان وأريحا وخان شيخون جنوبًا، إلى الدانا وسرمدا وتفتناز شمالًا، مرورًا بكل مدينة وقرية في هذه المحافظة؛ حيث حكايات الصمود التي تتداخل مع مآسي المجازر وهدير تلك الطائرات الوحشية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق