سورية الآن

الانقسامات الطائفية والعرقية في إيران قنبلة قد تطيح بطموحات إيران

تعاظم دور إيران الإقليمي خلال الفترة الماضية، خاصة بعد سقوط نظام الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، حيث بات النفوذ الإيراني يمتد إلى أربع عواصم عربية، مستغلة الانقسامات الطائفية والقومية في هذه البلدان، حتى باتت تشكل، بالتوازي مع إسرائيل، عامل التهديد الأساسي لمعظم دول الشرق الأوسط، متجاهلة أنها من الدول ذات التنوع القومي والطائفي، وهو ما يشكل نقطة ضعف واضحة في بنيتها المجتمعية، ويجعلها عرضة لأزمات داخلية، في حال قررت الدول الإقليمية المتضررة من السياسة الإيرانية استغلال نقطة الضعف هذه، وتأجيج الخلافات الداخلية الإيرانية للرد على سياساتها التي باتت تهدد استقرار معظم دول الإقليم.

 

تُشكل الأقليات القومية نسبة كبيرة جدًا في إيران على حساب القومية الفارسية، ويُقسَم الإيرانيون، وفقًا للقوميات، إلى 24% من الأذريين الأتراك، و7% من الأكراد، و3% من العرب، و2% من البلوش، إضافة إلى أقليات أخرى كاللور والتركمان والأرمن وغيرها، بينما تتوزع الأقليات الطائفية والدينية في إيران بين سنّة، وإسماعيليين، ومسيحيين، وزردشتيين، ويهود، وبهائيين، حيث يشكل السنّة حوالى 10% من سكان إيران، وينقسمون -بدورهم- إلى عرقيات عدة، كالبلوش، والتركمان، والأكراد؛ وذلك، وفق دراسة أعدها كامران شهسواري لمركز الجزيرة للدراسات.

 

على الرغم من نجاح إيران -حتى الآن- في احتواء الحركات التحررية، إلا أن طبيعة تركيبتها تعطي ثغرات أمنية واضحة لجهات معادية لها، خاصة في ظل السياسة القمعية، والإقصائية التي تنتهجها طهران ضد هذه القوميات والطوائف، فالنظام الإيراني قائم على أساس المزج بين القومية الفارسية، والمذهب الشيعي “الاثنا عشري”، وتجاهل تام لباقي مكونات المجتمع الإيراني العرقية، والطائفية؛ فالنزعة القومية الفارسية إلى جانب النهج الطائفي لحساب المذهب الشيعي “الاثنا عشري”، باتت السمة الطاغية على النظام الإيراني بعد “ثورة” الخميني، فظاهرة تفضيل العرق الفارسي على بقية الأعراق الموجودة، يظهر بشكل جلي على المستوى الثقافي، والاجتماعي، والسياسي على حد سواء، في حين يتبنى النظام الإيراني المذهب الشيعي “الاثنا عشري:، ويجعل من الإيمان بولاية الفقيه المطلقة مقدمة على كافة المكونات الدينية، والمذهبية الأخرى، ويتجلى ذلك من خلال الدستور الإيراني الذي لا يعترف بهذه الأقليات، فهو لم يحفظ سوى حقوق الأقليات اليهودية، والمسيحية، والزرادشتية (المجوسية)، وتم تخصيص مقاعد خاصة لهم في البرلمان، على عكس الأقليات العرقية والمذهبية التي لم يذكرها هذا القانون، ولم يتم حفظ حقوقها في المشاركة السياسية والبرلمانية والثقافية في البلاد؛ ما أدى إلى معاناتهم وتهميش السلطة المركزية في طهران لهم، إضافة إلى إهمال واضح من الحكومة المركزية في طهران لمسألة التنمية الاجتماعية والاقتصادية المتوازنة في مناطق الأقليات، حيث تهتم الدولة بالمناطق ذات الأغلبية الفارسية، بينما هناك إهمال كبير لبقية المناطق، ومن بين الأبحاث التي أُجريت على المجتمع الإيراني؛ لبيان تأثير برامج التنمية الاقتصادية، والاجتماعية دراسة أعدها الدكتور سيف اللهي، ونُشرت في مجلة (العلوم الاجتماعية)، يضع من خلالها مؤشرات الاختلاف بين القوميات الإيرانية، وعلى رأسها: المركزية الشديدة في الإدارة السياسية – تجاهل مشاركة المجموعات العرقية – تجاهل مطالب وحاجات الفئات العرقية في أعقاب حركة التحديث – غلبة السياسة العرقية لدى الجماعات العرقية – عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية بين الفئات العرقية – عدم المساواة في التنمية البشرية بين الجماعات العرقية – التنمية غير المتوازنة وغير المتناسبة في مناطق الأقليات العرقية.

 

إضافة إلى ذلك؛ فإن معظم هذه الجماعات تجمعها الحدود مع دول أجنبية، وتُشكّل امتدادًا لهذه القوميات، ما يجعل النظرة الرسمية للأقلية، المختلفة مذهبيًا وقوميًا، تتمحور حول عدّها تهديدًا لنظام الحكم، فأغلبية الأقوام المختلفة، والأقليات الدينية في إيران، تسكن المناطق الحدودية لإيران، يقابلها قوميات مشابهة على الجهة المقابلة في الدول المجاورة لإيران؛ ما يسهل عملية التأثير عليها من خارج الحدود، فالأقلية العربية في الأحواز هي امتداد للقبائل العربية في دول الخليج العربي والعراق، فيما ينتشر البلوش، إضافة لإيران، في كل من باكستان وأفغانستان، أما الأكراد، فهم امتداد للمناطق الكردية في كل من شمال العراق، وجنوب شرق تركية المتاخمة لإيران، في حين يمثل الأذريون والتركمان ربع سكان إيران، وهم امتداد طبيعي للقومية التركية في كل من أذربيجان، وتركمانستان، وتركيا، ومع التطورات الإقليمية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر ملامح تغيّر في هوية هذه الأقليات، حيث بدأت تتجه نحو تكوين هويتها الخاصة، والمناهضة للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

نجح النظام الإيراني في احتواء الحركات الانفصالية لهذه القوميات والطوائف، من خلال النهج القمعي، لكن استمرارتجاهله حقوق هذه الأقليات، سيدفعها حكمًا إلى الانقلاب عليه، خاصة في ظل إصرار حراس نظام الولي الفقيه على اتباع أسلوب الحناجر المذبوحة، والعظام المحطمة؛ لقمع مطالبهم المشروعة، وهو ما سيشكل قنبلة موقوتة، قد تنفجر في أي لحظة، مستفيدةً من حالة التململ الشعبي العام، بسبب سياسات النظام الذي يهدر مقدرات البلاد، في سبيل تحقيق طموحاته التوسعية في منطقة الشرق الأوسط، ورغبة العديد من الدول الإقليمية في وضع حد لسياسات إيران التوسعية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق