كلمة جيرون

أسوأ أنواع الحزن

ليس غريبًا أن يصطبغ الإبداع السوري بشعور عميق من الألم والمرارة والحزن والإحباط والشكوى؛ فالكارثة التي حلت بالسوريين هزت مشاعرهم ووجدانهم وذاكرتهم وعقولهم، خاصة، بعد إدراكهم أن الثورة، ضد نظام الاستبداد، قد سُرقت منهم، وأن الثورة المضادة بقيادة الاستبدادين: السياسي والديني، تمكنت من تفتيت وحدتهم الوطنية، ووحدة أرضهم، وتحويل ثورتهم الشعبية الوطنية السلمية، التي قامت من أجل الحرية والكرامة وبناء دولة القانون، إلى “حرب أهلية”، وفوضى محلية وإقليمية، تحمل أجندات دينية ومذهبية غريبة عنهم ودخيلة عليهم عمومًا.

 

فالسوريون فوجئوا بدمهم، كما فوجئ النظام الهمجي بعزيمتهم. وهم يُعدّون في الجوهر شعباً مسالمًا ومنفتحًا ووسطيًا، ويعيشون حالة من التنوع والتسامح والتعايش فيما بينهم، منذ قرون! وهم لم يجدوا سندًا عربيًا أو دوليًا يساعدهم في تحقيق أحلامهم، أو يخفف من مأساتهم، أو يوقف قتلهم وتشردهم، على الأقل! وقد تركوهم يواجهون مصيرهم بمفردهم! مع انسداد أفق الحلين: السياسي والعسكري!

 

ما يعنينا هنا، ليس الحزن الذي يُعدّ حالة بشرية طبيعية، بل طريقة التعبير عن هذا الحزن؛ فمنذ القدم عبّر الإنسان عن مشاعره، حتى السلبية منها، بوسائل متنوعة كالرقص والغناء والندب والشعر والموسيقى…، لكنه استخدم -عمليًا- منهجين فقط، يبدوان للوهلة الأولى، مختلفين بل متناقضين، وهما: التراجيدي، العاطفي الذي يثير الخوف والشفقة، ويؤدي إلى التطهير “الكاثرسز”، والكوميدي، العقلي، الذي يثير السخرية من شرور الواقع وأحزانه، ويتفوق عليه بالفكاهة والضحك. وتميل التراجيديا بشكل أو بآخر، إلى التجهم والتشاؤم، وتستدر العواطف والدموع، بينما تميل الكوميديا إلى الفرح والأمل والمشاركة والتجاوز.

 

هذه ليست دعوة لاختصار الألوان التي تزخر بها الحياة، إلى لونين فقط. فالتراجيديا والكوميديا الخالصتين لم تعودا موجودتين أصلًا؛ إذ استُعيض عنهما بالدراما والكوميديا السوداء والملحمة…، إنما أردته أن يكون مدخلا لفهم ظاهرة الحزن والألم والرومانسية، أي: العاطفية، في إبداع السوريين الأدبي الفني.

 

من الطبيعي أن يتّسم هذا الإبداع بالحزن، وربما الإحباط! فهو انعكاس موضوعي، وإعادة إنتاج لواقع مدمَّر ماديا ومعنويًا، و”الواقع” عادة، يكون عاجزًا عن فهم وتفسير ما يحدث فيه ومن حوله. ومن هنا تأتي أهمية الإبداع. إنه القبطان الذي لا يملك الحق بإثارة الرعب بين ركاب سفينته، وهو الضوء في آخر النفق، الذي يشد العزائم، ويبعث الأمل من جديد في نفوس الخائرين.

 

بعد الحرب العالمية الثانية التي دمرت أوروبا، وهزت مشاعر شعوبها، غرق مبدعوها في حالة من الاكتئاب، وغلف الحزن الرواية والشعر، ونشأت وتجذرت تيارات ومذاهب إبداعية متمردة، مثل الوجودية والتعبيرية والرمزية والوحشية والعبثية، وغيرها من التيارات الرومانسية والمتشائمة والعدمية، التي غصّت بأسئلة الوجود والعدم والمنطق ومعنى الإنسانية والحياة! وكفرت بالحاضر والماضي، وطالبت بإعادة صياغة كل القيم البشرية السائدة، وإعادة فهمها من جديد!

وقد تكرر ذلك مع الشعوب العربية ومبدعيها بعد نكبة فلسطين ونكسة حزيران! ومع شعوب أميركا اللاتينية بعد حروبها التحررية، وما تبعها من دكتاتوريات وحروب أهلية مدمرة! ومع غيرها من شعوب الأرض التي عاشت تحولات تاريخية كبيرة في طريقها إلى المستقبل. وهذا أمر طبيعي، فالمآسي الوطنية الكبرى لا يمكن أن تكون عابرة! إنها تهز عقل ووجدان الشعب، وفي طليعته عقل ووجدان المبدع والفنان، لكن البكاء على الأطلال والعويل الطويل، يُعدّان من أسوأ أنواع الحزن!

 

قد تقود المآسي بعضَ الناس إلى التشاؤم والإحباط، وفقدان الثقة بالنفس وبالناس! وقد يكون هذا حقًا مشروعًا للإنسان الخائف والمهزوم، لكن هل يحق للمبدع -عمومًا- أن يكون مهزومًا أو خائفًا أو متشائمًا أو محبطًا! قد يكون من حقه الإنساني أن يحزن، لكنه لا يمكن أن ييأس؛ فاليأس ينفي الإبداع.

 

وهذا لا يعني أبداً تزييف الواقع، أو تهدئة الألم بالمسكنات؛ فتحت جلد التشاؤم النزق، والحزن الجليل، وحتى اليأس، الذي يعبر عنه المبدع السوري اليوم، ثمة دهشة وغضب ورفض، لما كان، وتطلع لما هو أفضل، ولما يجب أن يكون.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق