قضايا المجتمع

سوريون يناقشون الصورة النمطية للأكراد ومواقف المعارضة والشباب منها

واصل مجموعة من الباحثين والمثقفين والسياسيين السوريين المقيمين في الاتحاد الأوروبي اجتماعاتهم في سلسلة من الندوات حول المسألة الكردية في سورية، ضمن ورشة العمل التي يقيمها (صالون هنانو) التابع لـ (مركز حرمون للدراسات المعاصرة) في العاصمة الألمانية برلين.

وفي ندوة أدارها الحقوقي مازن درويش، تحدث عبد الباسط سيدا، عن الدور الكردي في الثورة السورية، وأشار إلى جملة ملاحظات في هذا الخصوص، أهمها أن الثورة السورية بدأت بينما كانت الحركة السياسية الكردية والعربية في أسوأ حالاتها، وكان هناك اعتماد على شخصيات ومنظمات مدنية صغيرة، ولم تنخرط فيها الأحزاب السياسية أو الشخصيات السياسية الهامة، كما أشار إلى تعامل المعارضة السورية مع الثورة، كردًا وعربًا، عبر ما أسماه “العقلية السحرية”، وهيمن على تفكيرهم فقط بسرعة الإنجاز بعيدًا عن لغة المنطق والنظر باستراتيجية في التعامل مع الأحداث وتطوراتها، وهو الأمر الذي رأى أنه أوقع المعارضة بـ “أخطاء فادحة”.

وتحدّث المعارض السوري عن الصورة النمطية التي تشكّلت تجاه الأكراد، والتي تُشير إلى أنهم كانوا في البداية مع الثورة ثم تراجعوا، موضحًا أن المكون الكردي لا يختلف عن المكون العربي وبقية المكونات  السورية الأخرى من حيث استمرار بعضهم مع الثورة والبعض الآخر تراجع عن مواقفه تبعًا لتطورات الأحداث، وأوضح أنه منذ بداية الثورة تشكّلت ثلاثة مواقف بين الأكراد، حيث أيّدت بعض الشخصيات ومنظمات المجتمع المدني والتيارات الثورة السورية الثورة ضد النظام، بينما اتخذت بعض القوى والأحزاب السياسية موقفًا مترددًا منها “رغم أنها تعتبر النظام استبداديًا، لكنها في الوقت نفسه تعتبر المعارضة شوفينية”، في حين كان هناك طرف كردي ثالث “وقف ضد الثورة بالمطلق وأيّد النظام، الذي كان له الدور الكبير في تشكيل هذا التيار بين الأكراد لقمع الثورة، واضطهاد الشباب وملاحقتهم بكل الطرق المتاحة”. لكن الشريحة الكبرى، بحسب سيدا، كانت هي الشريحة الصامتة المنتظرة لتطورات الأحداث وتداعياتها ونتائجها.

وانتقد المعارضة السورية وقال إنها ارتكبت أخطاءً كبيرة بحق الأكراد سواء بالتصريحات أو بالتوافقات والتفاهمات التي يجري التوصل إليها، مشيرًا إلى بعض التجارب والأمثلة على ذلك خلال انعقاد اجتماعات المعارضة في تركيا وتونس والقاهرة، واعتبر أن هناك ظلمًا مركبًا وقع على الأكراد في سورية، الظلم الذي طال معظم السوريين والأكراد من بينهم، والظلم الذي وقع على الأكراد بشكل خاص فيما يتعلق بحقوقهم الثقافية وملاحقة ناشطيهم وسياسييهم.

إلى ذلك، اعتبر الأكاديمي يوسف سلامة أن بحث مشكلة اليوم أهم من التساؤل عما حدث في الماضي، وقال إن الأهم هو التفكير كيف يمكننا أن ننتقل من المستوى الإيديولوجي الذي سيطر على مفهوم القضية الكردية إلى المستوى ما بعد إيديولوجي، أي الواقعي، وأشار إلى أنه كان هناك إيديولوجيتان متصارعتان، عربية وكردية، مما همّش المشروع الوطني السوري الجامع، وشدد على ضرورة تجنّب طرح المضامين السابقة، وكذلك تجاوز مسألة الظلم الذي وقع على الأكراد والاعتراف به إلى ما بعد ذلك، أي إلى مرحلة إيجاد الحلول المستدامة لبناء الهوية السورية الوطنية الواقعية، وحذّر من أن استمرار الاحتكام إلى الإيديولوجيا سيفضي إلى التقسيم، متسائلًا في هذا الإطار، إلى أي حد يقدر السوريون على إيجاد هوية سورية جامعة، وهل هناك أولًا هوية وطنية سورية واضحة المعالم؟!

كما شدد على ضرورة استعادة القضية السورية من القوى الخارجية، التي برأيه، يجب عزلها عن الشأن السوري الداخلي، والعمل على إقامة حوار داخلي يفضي إلى نتائج واضحة المعالم حول سورية المستقبل، واعتبر أن إبعاد العامل الخارجي هو شرط الحوار الوطني، وإلا فإن التقسيم هو ما سيواجه الوطن السوري.

إلى ذلك تحدثت خولة دنيا حول ملامح الهوية الوطنية السورية التي تشكّلت في بداية الثورة، مشيرة إلى التحالفات المجتمعية التي ظهرت، والتي كانت لها ذات الأهداف والمصلحة في الثورة والتغيير، بالتزامن مع غياب القيادات السياسية الفاعلة لهذا التحرك، وأشارت إلى عدم الثقة للقوى السياسية الموجودة بالثورة نتيجة عوامل عدة ولاسيما سياسة البطش التي اعتمدها النظام ضد معارضيه.

كما أشارت إلى التشابه بين القوى والأحزاب السياسية العربية والكردية في التعامل مع تداعيات الثورة والتأثّر بالربيع العربي، لكن ما أثر سلبًا لاحقًا، برأيها، هو تهافت بعض القوى المعارضة على عقد المؤتمرات واللقاءات في الخارج لتمثيل الثورة وربما احتكارها، وأشارت إلى الدور السلبي الذي لعبته بعض القوى السياسة والكردية التي أخذت دور النظام في اضطهاد الشباب وإبعادهم عن الثورة بكل الطرق.

من جانبه أكّد إبراهيم اليوسف على انخراط المكوّن الكردي السوري في الثورة ولاسيما الشباب، رغم الظلم والاضطهاد الذي تعرض له الأكراد، مشيرًا في نفس الوقت إلى ما أسماه “واجهات المعارضة” العربية والكردية على حد سواء، وقال إنها “لم ترتقِ إلى الأهمية التاريخية للحظة السورية التي بدأت مع تفجر الثورة”.

أما ياسمين مرعي، فقد تحدثت عن سياسة النظام السوري والتعمية التي تعمّدها بشأن القضية الكردية، مشيرة إلى أن العديد من الشباب العرب والأكراد عملوا منذ بداية الثورة جنبًا إلى جنب في كل مجالات الشأن السوري، ولاسيما على الصعيد المدني. وطرحت تساؤلات حول القضية الكردية والمسألة السورية بشكل عام وتداعياتها، وكذلك عن المشتركات الكبيرة بين مكونات الشعب السوري، إضافة إلى المساحة المتاحة للشباب في العمل السياسي في هذه المرحلة.

إلى ذلك، قدّم الكاتب والمحلل السياسي عبد الوهاب بدرخان، عرضًا سريعًا لتطورات الوضع السوري، مشيرًا إلى أن تطورات الأحداث بلغت مكانًا، لا يمكن أن تصل إليه من مرحلة أشد من ذلك وأكثر تعقيدًا، ولاسيما بعد التدخل الروسي، إلا إذا قررت روسيا التدخل المباشر لحسم المسألة، كما فعلت في كرزوني مثلًا، مشيرًا إلى أن الأمر الإيجابي يكون عبر تحريك الحل السياسي والمفاوضات بالمشاركة مع الولايات المتحدة، لكن موسكو لم تعِ بعد أن أي حل سياسي لن يستقيم إلا عبر تقديم تنازلات حقيقة من الطرف الآخر، أي النظام ومن يدعمه.

وقد تجسد التنازل الذي قدمته المعارضة السورية لحل المسالة بشكل رئيسي، بحسب بدرخان، عبر الذهاب إلى مؤتمر جنيف حتى وإن توازى ذلك مع المطالبة برحيل رئيس النظام وأعوانه الملطخة أيديهم بالدماء.

وأشار كذلك إلى أنه حتى الآن لم يعرض على المعارضة السورية أي مبادرة جادة أو مقترحات عملية يمكنها من تقديم تنازل تكتيكي، للتوصل إلى حل، كتشكيل مجلس عسكري أو حكومة وطنية بصلاحيات كاملة.

وأكد بردخان على وجود إشكالات كبيرة بين موسكو وواشنطن من بينها الوضع السوري، ولكنه ليس الوحيد، فهناك مروحة واسعة من المشاكل بين القوتين العظميين في أماكن أخرى، كالوضع المعقد في أوكرانيا، إضافة إلى العقوبات الغربية المفروضة على موسكو.

ولفت أيضًا إلى الدور الإيراني في الشأن السوري، معتبرًا أن تمسّك طهران بالأسد هو من قبيل التمسك بالنفوذ الإيراني في سورية والمنطقة بشكل عام، وأن أي حل لا يضمن هذا النفوذ الإيراني لن تقبل به طهران. كما أكد أن الحسم العسكري وتغيير المعطيات على الأرض أمر صعب جدًا في الوضع السوري.

إلى ذلك، وخلال مداخلته حول دور المجلس الوطني الكردي في الوضع الحالي، قال ريزان شيخموس إن كل القوى السياسية العربية والكردية تحولت إلى أدوات في أجندات القوى الخارجية التي تلعب في الشأن السوري تبعا لمصالحها.

واعتبر أن المجلس الوطني الكردي، الذي يُمثِّله، كان يمثل شريحة كبيرة من المكون الكردي الداخلي في سورية، لكن تراجع الدعم له والضغوط التي تعرض لها ولا يزال، ولاسيما من النظام السوري، جعل تأثيره يتراجع بين الأكراد، مشيرًا إلى أن للمجلس مشروع سياسي للحل في سورية، وكذلك حل للقضية الكردية بشكل عام عبر إقامة النظام الفيدرالي الذي يضمن حقوق جميع مكونات الشعب السوري.

من جهته، اعتبر فيصل بدر، في مداخلته حول التقابل الإصلاحي بين الأكراد والعرب وتأثيرها، أن أي حوار بين السوريين، أكرادًا وعربًا، ينبغي أن يعمل على إعادة تعيين وتفسير المصطلحات لوضع الحوار على سكته الصحيحة. وطالب بإزالة ما أسماه “الباطنية” من أي حوار عربي – كردي، كي يتم التوصل إلى حل حقيقي يؤسس لإقامة دولة مواطنة، وتأسيس هوية وطنية جامعة وعقد اجتماعي جديد، بعيدًا عن العقلية الشعبوية بين أطراف الحوار، وأضاف أنه يجب النظر إلى الحوار الوطني كضرورة استراتيجية، وليس كشأن مرحلي تكتيكي لا يوصل إلى أي حل أو أي اتفاق لإقامة الدولة المدنية وذلك بعد إقامة النظام الديمقراطي في سورية.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق