ترجمات

التقرّب التركي إلى روسيا

في الوقت الذي يقوم فيه الرئيس رجب طيب أردوغان، بزيارته الدولية الأولى، في أعقاب محاولة الانقلاب التي تعرضت لها حكومته، يأتي التقرب التركي إلى روسيا، جزءًا من جهد أوسع، لإعادة حسابات السياسة الخارجية التركية، بعد سنوات من العزلة السياسية. وكانت التوترات بين الحكومة التركية وروسيا قد ازدادت، بعد إسقاط قوى الدفاع التركية طائرةً روسية، من طراز إس يو- 24 في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الفائت. كانت الطائرة الروسية تتجول على طول الحدود التركية-السورية، إلى أن انحرف مسارها إلى داخل المجال الجوي التركي مدة 17 ثانية. وكان كلٌّ من سلاح الجو التركي، والقيادة المدنية قد أنذرا روسيا، سرًّا وعلنًا، مسبقًا، بالردّ في حال حدوث أي اختراقات للمجال الجوي التركي، وأنّ “قواعد الاشتباك” التي تحكم استخدام القوات العسكرية تعكس ذلك الإنذار، وعلى ما يبدو؛ فإنّ إسقاط الطائرة نتج عن تلك القواعد الصارمة للاشتباك، وهو ما دفع بموسكو إلى الرد بعقوبات اقتصادية، وترويج دعاية معادية لتركيا عبر منافذ الكرملن الإعلامية.

 

وقد عملت الحكومة التركية أشهرًا على إصلاح العلاقات، ويقال إنها عملت مع الرئيس الكازاخي، نور سلطان نزار باييف، للإسهام في حل الصراع. وأثار توقيت اللقاء الأخير أسئلة حول حال السياسة الخارجية التركية، على أمداء أطول، وما إذا كانت الحكومة التركية، سوف تفكر في الخروج من حلف الناتو، وتعيد النظر في علاقاتها مع حلفائها التقليديين من الغرب.

 

ونتج التوتر التركي مع الغرب عن محاولة الانقلاب الفاشلة، وقرار الحكومة التركية اللاحق، باستخدام معاداة أميركا والغرب لتعزيز مصالحها السياسية. ففي 15 تموز/ يوليو حاولت زمرة من القوات المسلحة التركية، قلب حكم حزب العدالة والتنمية AKP وتثبيت الأحكام العرفية. ولكن، فشل الانقلاب، وفي أعقابه، ألقى حزب العدالة والتنمية، وشريحة عريضة من المجتمع التركي باللوم على الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي لتخاذلهم عن إظهار دعمهم لتركيا. وتتهم الحكومة التركية فتح الله غولن، وهو إمام تركي يعيش في منفى اختياري في بنسلفانيا، بالوقوف وراء الانقلاب وتطالب الولايات المتحدة بتسليمه.

 

وبدورها، طالبت الولايات المتحدة تركيا بتقديم أدلة على تورط غولن، بما يتفق مع السوابق القانونية، وشروط معاهدة تسليم المجرمين المشتركة مع تركيا. وحتى الآن، أرسلت تركيا بـ 85 صندوقًا من الأدلة إلى وزارة العدل، ولكن لم يرد جواب في ما يخص التسليم. وقد اهتزت العلاقات التركية الأميركية بفعل التوتر الناتج عن الحادثة، مع تحذيرات بعض المسؤولين الأتراك بحدوث عواقب مجهولة؛ إذا لم يتم تسليم غولن.

 

ولذلك السبب، رفع التقارب التركي الروسي من مخاوف غربي أوروبا وواشنطن، بشأن نوايا أنقرة، بإمكانية اتخاذ خطوات تنأى فيها بنفسها، عن حلفائها التقليديين. ولدى تركيا الحافز لاستخدام تلك المخاوف في واشنطن وبروكسل، بشأن الرئيس فلاديمير بوتين، بما يصب في مصلحتها. وقد عملت موسكو، تقليديًا، على إضعاف حلف الناتو عبر إقناع بعض أعضائه، بتبني منهج أكثر حيادية تجاه روسيا. وتتيح التوترات المتزامنة بين تركيا وأميركا –وبالتالي معظم حلف الناتو- لروسيا الفرصة لإضعاف الحلف.

 

وكان حزب العدالة والتنمية قد حرص، بصمت، على إبقاء صلات قريبة بالغرب، وبواشنطن على وجه التحديد. ومع ذلك، قام الحزب باستخدام معاداة الأميركان والغرب في فترات التوتر، وهو تكتيك له أثر سامّ في إدراك الشريحة الأكبر من الجمهور التركي، للولايات المتحدة وغربي أوروبا. ويكمن الخطر في اضطرار السياسيين الأتراك، إلى الاستمرار في لعبة التوتر تلك، أو إغفال الكثير من المجالات، التي يتعاون فيها كلا البلدين في قضايا مختلفة؛ فعلى سبيل المثال، تعتمد تركيا على الناتو بشكل كامل، فيما يخص الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى، وصواريخ كروز الهجومية. وفي غضون التوترات الأخيرة مع روسيا، أنشأت تركيا تحالفات سرية من أجل حضور أوسع للناتو، في البحر المتوسط، وفي القواعد التركية الجوية، بغرض حمايتها.

 

تُعدّ علاقة تركيا بروسيا معقدة، على الرغم من الجهد الذي تم بذله لتثبيت العلاقات الإقتصادية والأمنية المشتركة. ويبقى البلدان منقسمين حول الشأن السوري، الذي لبث نقطة خلاف لا تبدي الكثير من التحسن؛ إذ تبقى الحكومة التركية الداعم الأهم لمجموعات معارضة مختلفة، في محافظة إدلب، وبحسب ما قالت إيريكا سولومون؛ فإنّ تركيا دعمت المجموعات التي نفذت العملية الأخيرة، المسؤولة عن كسر الحصار، المدعوم روسيًا على مدينة حلب. وقدمت تركيا دعمًا ملحوظًا لجماعة “أحرار الشام”، وكثيرٍ، غيرها، من المجموعات المعارضة التي تحارب الأسد. وسعت روسيا إلى تحديد كل المجموعات المتشددة في سورية، مثل القاعدة، والدولة الإسلامية، على أنهما مرتبطتان بالإرهاب؛ لتبرر حملاتها الجوية المستمرة، لدعم بشار الأسد وحلفائه من الميليشيات المسلحة؛ الأمر الذي تناقض مع نهج أنقرة، في التعامل مع الصراع في سورية، وعقّد معادلة العلاقة التركية الروسية.

 

تهتم تركيا كثيرًا، للتقارب الروسي مع حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو حزب ذو أغلبية كردية، يوجد معظم المنتمين إليه في الشمال السوري، بالقرب من الحدود التركية الجنوبية. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، قصف الطيران الروسي بقوة مواقع لمجموعات ذات أغلبية عربية قرب عزاز، ما سمح للجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، بالاستيلاء على المنطقة من مجموعات تدعمها تركيا، وبعدها ضغطت موسكو باتجاه إشراك حزب الاتحاد الديمقراطي، في محادثات السلام في جنيف، وهو اقتراح عارضته أنقرة بشدة.

 

وتُعدّ تلك التوترات بين الطرفَين، حول لاعبين فرعيين في المنطقة، حالة مصغرة من المخاوف التركية الواسعة، بشأن الاتجاه في سورية ما بعد الأسد. وتعقد الولايات المتحدة وروسيا، لقاءات ثنائية لتقرير مصير الأسد وسورية. وتركت تركيا خارج محادثاتهما الثنائية، على الرغم من كونها دولة جارة، وعلى الرغم من التهديد الأمني الحقيقي لها، في حال استقل حزب الاتحاد الديمقراطي في الشمال السوري، وبذلك؛ فإن التقرب التركي إلى الروس، في جزء منه، يهدف إلى حيازة رأي أشد تأثيرًا بشأن المستقبل السوري، بالإضافة إلى محاولة إنتاج نسخة إقليمية لمفاوضات السلام، خارج فضاء المحادثات الروسية الأميركية الثنائية.

 

اقتصاديًا؛ فسوف تكسب تركيا الكثير من تقدم العلاقات مع روسيا، خاصة بعد إسقاط العقوبات الاقتصادية، التي تبعت إسقاط الطائرة الروسية، في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر، والتي كان لها أشد التأثير على مدخول السياحة في تركيا، التي تراجعت في الأشهر الأخيرة؛ نتيجة عديد التهديدات الأمنية ، ما أجبر الحكومة على اتخاذ خطوات من شأنها تأمين مصادر مالية لشركات السياحة التركية، ومشغلاتها. وقبل الانقلاب الفاشل في 15 تموز/ يوليو، توقع خبراء، انحدارًا في دخل السياحة، يتراوح بين 35 و40 في المئة في عام 2016، وذلك بحسب تقرير صدر عن بلومبرغ. ومن الممكن للرحلات الروسية المأجورة، أن تغطي ذلك النقص، ولكن ليس من المرجح أن يقوم العدد نفسه، من السياح الروس، بزيارة تركيا، حيث لا يزال الاقتصاد الروسي ضعيفًا، وكذلك لا تزال المخاوف الأمنية المتعلقة بالسياحة في تركيا حاضرة.

 

وبشكل مشابه؛ فإن تراجع قيمة الروبل الروسي، قد يعطل اثنين من مشاريع البنية التحتية المهمة: مشروع “أكّويو” التابع لـ”روساتوم”، وهو أول محطة توليد تعمل على الطاقة النووية، ومشروعTurkish Stream، وهو خط أنابيب للغاز الطبيعي، من المتوقع أن يتم إنشاؤه في البحر الأسود. في ما يخص المشروع الأول؛ فقد افترضت “روساتوم” أنها ستتحمل عبء التكاليف المالية للمشروع بالكامل، والتي تصل قيمتها إلى 25 بليون دولار أميركي، لكن الانهيار الاقتصادي في روسيا، حثها على اللجوء إلى صندوقها السيادي، لدعم الميزانية الحكومية. ومنذ توقيع الاتفاقية الروسية التركية، في عام 2010، حاولت “روستام” أن تجد شريكًا في مشروع “أكّويو” وأن تبيع 49 في المئة من قيمة المشروع، ولكن، حتى الآن، لم تجد شريكًا يشتري تلك الحصة؛ إذ ترى الشركات النووية الغربية والآسيوية -بما فيها الصينية- مخاطرة عالية في مشروع مثل ذلك.

 

إن التوترات الأميركية التركية الحالية، حقيقية وجدية للغاية، ومن المحتمل أن تقوض الثقة بين البلدين. وتؤمن الحكومة التركية، بصدق، أن حلفاءها الغربيين لم يفعلوا ما يكفي، للتعبير عن اعتراضهم، على محاولة الانقلاب الأخيرة، على الرغم من الجهد الذي بذل في واشنطن وبروكسل لإظهار الدعم. ولكن، وعلى الرغم من التوتر الحالي؛ فليس من المرجح أن تتخذ تركيا خطوات باتجاه تعميق الروابط مع موسكو، على حساب شراكاتها الأطلسية. لدى تركيا وروسيا مصلحة في إعادة علاقاتهما، والعودة إلى ما قبل 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، لكن ذلك لا يعني تغيير الإستراتيجية العامة لتركيا. سوف يكون للتوترات التركية مع الغرب أثر في علاقات الناتو والغرب مع موسكو، وخصوصًا، لأن القيادة التركية تشكك في نوايا الغرب، وستستمر في استخدام ذلك، وتأجيج غضب شعبي أوسع لديها لأسباب سياسية داخلية. ويكمن التحدي، في الأشهر المقبلة، في إدارة تلك التوترات والتحضير لأي انهيار سياسي محتمل.

 

 Turkey’s Outreach to Russia عنوان المادة الأصلي بالإنكليزية
                       آرون ستاين Aaron Stein اسم الكاتب بالعربية والإنكليزية
    Atlantic counsil مصدر المادة أو مكان نشرها الأصلي
  مكان النشر الثاني
    10 آب/ أغسطس 2016 تاريخ النشر
http://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/turkey-s-outreach-to-russia رابط المادة
مروان زكريا اسم المترجم

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق