قضايا المجتمع

التطرف الفكري وتصنيع القنابل البشرية

أتأمل صور الرجال العائدين من الجبهات، فأدرك حجم التغيير الذي طرأ على مجتمعنا، لحًى طالت، وتُركت دونما تشذيب، وجوهٌ أحرقتها الشمس، وأيدٍ تشققت واخشوشنت،
بينهم شبان عرفناهم صغارًا. ما يفاجئك أنك تشعر -للوهلة الأولى- أن الملامح هي ذاتها، لم تتسرّب إليها معارف الحياة؛ لتمنح العيون بريقًا مختلفًا، بل كلّ ما جرى أن هذه الملامح باتت تحمل قسوة مصطنعة، تخفي وراءها ضحكات بريئة، تحاول التخفي وراء اللثام واللحية، وأحيانًا. وراء حزام ناسف.

 

ملامح وجوه الشباب العشرينيّ، تختلف عن تلك الملامح التي يحملها الملتحون الكبار، فوجوه الكبار تخبئ خلفها سنوات من الفرح والهفوات، وربما النزوات، وهو ما لا يمكن أن تلمحه في وجوه الشبّان الصغار.

 

تدفعك الصور إلى التساؤل: ما الذي يحمل وجهًا يتّسم بكلّ هذه البراءة على ارتداء حزام ناسف، يودي -أولًا- بحياته، ما الذي يدفعه إلى اقتطاع ثلثي عمره والزجّ به في وجه الآخر؛ أيًا كان هذا الآخر؟ ما العقيدة التي تدفع طفلًا نحو الموت؟

أسئلة كثيرة ننبشها من التفتيش في الصور، من وراء شاشات أجهزة المحمول، ونحن ننعم بالأمان والسكينة في بيوتنا.

 

يعرف المتتبّع لمسار الثورة السورية، منذ اندلاعها في شهر آذار/ مارس 2011، وحتى اليوم، من عاصر كلّ التغيرات والتحوّلات التي رافقت مسار هذه الثورة، أن هذه الثورة حين بدأت لم تكن تحمل في جنباتها أيّ بعد طائفي، وأنها حظيت بدعم شعبي هائل، كان حامله مثقفو البلد من ألوان طيف المجتمع كافة، لذلك كان من الصعب جدًا أن يستدرج النظام الناس المؤمنين بالثورة، وبضرورة التغيير، إلى حيث يريد هو، خاصة مع وجود قاعدة شعبية عريضة، قوامها مثقفو ومتعلمو البلد، ممن كانت لهم حظوتهم لدى عامة الشعب، وممن أكّدوا على أصالة انتمائهم، حين وجدوا أنفسهم أمام هذا الامتحان؛ ما دفع بالنظام إلى تشظية المجتمع وتفتيته، وإحداث فجوات بين مكوّناته، من خلال كيانات خلقها، أو اختراقه للكيانات الثورية، من خلال عملائه في بعض الأحيان، ومن خلال شخصيات مارست دور العميل، مدفوعة بسذاجتها وبساطة طروحاتها، كانت الفئة الأخيرة -في الأغلب- تعتمد الخطاب الديني، ظنًا منها أنها تتصدّى للنظام؛ ليتبين لنا -لاحقًا- أنها كانت تقدّم أكبر خدمة للنظام.

 

أكثر الخسائر، كانت من نصيب الأطفال، الذين فقدوا معنى الطفولة باكرًا، فسعيد الحظ بينهم من اكتفت الحرب بالنيل من ألعابه، فيما خسر كثيرون أبًا، أًو أمًا، أو قريبًا، أو صدًيقا عزيزًا، أو حتى واحدًا من أطرافه.

 

ننسى في غمرة اندماجنا في الحذلقة، والتحليل، والتركيب، أن هذا الشاب الذي يرتدي الحزام الناسف، قد كان في الرابعة أو الخامسة عشرة من عمره، حين اندلعت الثورة؛ ومنذ البدايات بدأ يتذوق طعم الفقدان، من خلال رصاص قناص، استهدفه وهو يحمل غصن الزيتون في مسيرة، يهتف خلالها سلمية… سلمية.

تتوالى الأيام، ويبدأ النظام سيناريو التفجيرات مستهدفًا، مناطق دون غيرها، فيخرج هذا الطفل المراهق مع زملائه في ورديات حراسة، يجرّب أن يكون رجلًا، وأن يبيت خارج فراشه الدافئ في حضن والدته، وسيكون سعيد الحظ إذا تصادف وجوده في مجموعة غير مخترقة أمنيًا، تستجرّه هو وأصدقاءه المراهقين، إلى أماكن تقصيه عن عوالم طفولته.

 

بعض هؤلاء المراهقين، وقعوا تحت سطوة أشخاص من حملة الأفكار المتشدّدة، والتي وصلوا إليها بعد مسيرة طويلة في الحياة، عاشوا خلالها طفولة ومراهقة حقيقيتين، وتزوجوا وأنجبوا. ولكنّهم فجأة يحملون هذا الشاب على تبني أفكارهم دون مقدمات.

تمرّ الأيام، ويجتاح جيش النظام بعض المدن، كما حصل في مدينة إدلب عام 2012، فيعدم ميدانيًا أغلبية المراهقين، ممن لا يتجاوزون الخامسة عشرة، وينصبّ جهده على تطويع من بقي في أجهزته الأمنية، فيجد الأهالي أنفسهم بين نارين: نار إبقائه في المدينة مع كل الخيارات المفتوحة، أو أن يتركوا ولدهم يهرب إلى الغابات، وينام تحت الأشجار، ليتدرّب على الأعمال القتالية، ويتلقى دروسًا في الدين، بكلّ رحابة صدر، فهذا المراهق بات عرضة للموت في أي لحظة؛ لهذا يجد نفسه منصرفًا عن كل أمور الدنيا، فهم في الغابات لا يختلطون إلا ببعض السيدات المتزوجات، ممن فضلن مرافقة أزواجهن، ويقدّمن الخدمات الإنسانية، من التمريض، إلى الغسيل، والطبخ، كمساهمة منهن في هذه المعركة، وبهذا تتنحى كل العواطف جانبًا، فلا أمّ حنون تخفف من وحشته، وتستنفر لديه مشاعر الحب والخوف، ولا ابنة جيران يخفق القلب لها، فتثنيه عن قراره في مواجهة الموت. أما حلم الدراسة والجامعة، فبات يفصله عنه ألف حاجز وحاجز.

 

الأحوال القاسية التي يعيشها شاب، يكبر على غفلة من والديه، وفي سنّ المراهقة الخطِر الذي تتبلور خلاله شخصيته، تجعل منه إنسانًا مطواعًا في يد الأحوال التي تشكّله، خاصة حين يوجد من يمنح له عاطفة يفتقدها، وعادة ما يكون الشاب في هذا السنّ أحوج ما يكون إلى أبيه، كي تتبلور شخصيته، ويمنحه أجوبة عن التساؤلات الوجودية التي تواجهه في هذا السن، غير أنّ الأب لن يكون حاضرًا معه إلا إذا كانا سويًا على الجبهة ذاتها؛ وبالتالي، فالأب -هنا- لن يكون له دور الإرشاد والتوجيه، لأنهما كليهما في الخندق ذاته.

 

في حالات أخرى، تتشكّل شخصية هذا الشاب، بعيدًا عن أي مؤثرات عاطفية أو أسرية، في أوضاع بالغة القسوة، يقضي أغلب وقته في التدريبات القاسية، ينجو من الموت مرات ومرات..
يصبح الهروب من الموت ثقيل الوطأة، فهو -بحسب قناعاته- استعدّ بشكل جيد للقاء ربه، ولأن بعضهم أمضى قرابة الخمس سنوات في البراري، وبين القنابل والألغام، ولأنه ومنذ سن مبكرة اضطر للتعامل مع أهوال الحرب، ورؤية الأشلاء، واستخدام جميع الأسلحة، من ناحية، وكونه يعيش بمعزل عن أي تأثيرات أنثوية، سواء أكان مصدرها الأم، أو الأخت، أو الزوجة، تحرّك لديه أي مشاعر تربطه بهذه الحياة، سيجد نفسه يتقدّم بخطى واثقة نحو الموت، فالحياة التي يذكر تفاصيلها لا تتميز عن الموت في شيء، وسنوات الطفولة والعيش في كنف العائلة قد تلاشت من الذاكرة، بفعل الصور والمشاهد القاسية المتراكمة في مخيلته؛ لهذا. لن يتردّد هذا الشاب في ارتداء حزام ناسف.

 

تزيد في راديكالية هذا الشاب، معطيات أخرى، مصدرها حالة الإقصاء التي يمارسها عليه المجتمع المتنوّر، الذي يصفه بأوصاف كالمتطرّف والراديكالي، والإرهابي، وهي مفردات لا يدري سببًا لإطلاقها عليه، كونه يفترض أن أسلوب حياته هو أسلوب الحياة الذي يعيشه جميع من حوله، بفعل الواقع القائم. هذا الشاب يعيش في مجتمع منغلق تمامًا، في أحوال شديدة القسوة، فيما يقصيه من هم قادرون على رؤية الصورة كاملة، ويحمّلونه وزر سنوات كانوا هم خلالها يراقبون ما يجري، فيما كانت شخصيته تتبلور على وقع هذه الأحداث، لهذا تكون النتيجة حالة تنافر بين الطرفين كليهما، والعجز عن وصول فكر أحدهما إلى الآخر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق