ترجمات

من أجل وقف فوري لإطلاق النار في حلب

 

جان بيير فيليو، أستاذ جامعي لتاريخ الشرق الأوسط في العلوم السياسيّة في باريس. حاز عمله الأخير “العرب، مصيرهم و مصيرنا” الصادر عن دار “اللاديكوفيرت”

جائزة أوغستان-تييري “مواعيد مع التاريخ” في مدينة “بلوا”.

 

 

“الصورة”: من سكّان حي الكلّاسة في حلب، أمام أنقاض بنائهم بعد غارة جويّة. في نيسان/ أبريل 2016. أمير الحلبي/ أ.ف.ب

 

 

يُكتب، من دون سند أو دليل، أنّ مصير سورية يُلعب في حلب، لكنّنا ننسى بسهولة مفرطة أنّ ذلك ينطبق أيضًا على مستقبل العالم، الذي نريد أن نعيش فيه؛ فترك أحد أقدم مدن الإنسانيّة عرضةً للقصف الشديد، والتدمير، منذ أكثر من أربع سنوات، يعدّ بمنزلة فضيحةٍ مطلقة، كما يُعدّ تعريض مئات الآلاف من المدنيّين للقذائف الناريّة، وللمجاعة المخطّط لها، عارًا على مجمل “المجتمع الدولي”، والذي لا يجتمع إلّا للتصويت على قراراتٍ لا تُنفّذ.

يتّفق كلّ واحدٌ منّا، وبسخاء، على أنّه لا حلّ آخر في سورية غير الحلّ السياسيّ، لكن يعمل أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، بشكل غير مباشر منذ أيلول/ سبتمبر 2015، وعلى نطاقٍ واسع بعد ذلك، بإصرار، على انتصار نظام الأسد انتصارًا عسكريًّا؛ فالعسكريّون الروس هم الذين قصفوا، وبشكلٍ ممنهج، مستشفياتٍ حلب، وأسواقها، ومدارسها، بهدف خنق مظاهر الحياة فيها، مستندين بذلك إلى تقنيّات وحشيّةٍ، “طبّقتها” موسكو في الشيشان.

كان لذلك الرعب، المتراكم يومًا بعد يوم وسط صمتٍ أمميّ، نتيجةٌ مخيفة، فلا يُحاصر قسمٌ من حلب قسمًا آخر؛ إلّا ليغدو هو محاصرًا، في المقابل، وسط ضجيج السلاح. “لا حلّ إلّا الحل السياسي”؛ فهل علينا أيضًا أن نكتفي بتلك الأقوال الرنّانة؟ ماذا عن الاعتراف أنّ كلّ الأطراف قد خسرت في حلب؟ إنّ معاناة مدينة سيدنا ابراهيم، عليه السلام، ليست جريمة بسيطة فحسب، بل هي، أيضًا، خطأٌ سيُدفع ثمنه لوقتٍ طويل، فيما أبعد من سورية.

خسرت روسيا، تلك التي ظنّت انّها ستربح، وبشكلٍ حتمي، “حربًا باردةً، كانت هي اللاعب الوحيد فيها، فقامت بتبديد أموالٍ، وموارد غير متجدّدة، في خدمة ديكتاتور سافل، وهاهي تجد نفسها عالقة في فخّ مدينة حلب، بعدما طنّت نفسها ناصبةً الفخ لسكّان تلك المدينة.

كما خسرت الولايات المتّحدة، والتي كانت تتوقّع “احتواء” الأزمة داخل حدود سورية، وإذ بها تكتشف، في وقتٍ متأخّرٍ، أثرها المزعزع لاستقرار حلفائها كلّهم، لقد ضحّت الولايات المتّحدة بالثورة السوريّة، لمصلحة توهّمها باتفاق بين بلدان، لا تملك القدرة على تنفيذه.

لقد خسرت إيران عندما ورّطت قوّات نخبتها، وأشدّ حلفائها إخلاصًا، في متاهة معركة حلب، وخسرت المملكة العربيّة السعوديّة، التي تبنّت تحالفًا للمعارضة، من غير أن تمنحه الدّعم والقوّة الجديرين باسمه، وتركيّا خسرت، أيضًا، بدورها، عندما اكتشفت أنّها غير قادرة على تهدئة النار المشتعلة في حلب، وكذلك حزب العمّال الكردستاني، الذي شارك فرعه السوري في حصار حلب غير الأخلاقي، بقطعه لطريق الكاستيللو، فهو أيضًا قد خسر.

في المقابل؛ فإنّ الطرف الذي ربح في حلب هو أمراء الحرب، وقادة الميليشيّات، وملوك السوق السوداء، أولئك الذين يغتنون من دماء السوريّات والسوريّين، كما ربح أيضًا الجهاديّون من المذهبين؛ داعش، من جهة، والتي كان قد تمّ طردها من حلب بواسطة “الثورة الثانية” في كانون الثاني/ يناير 2014، و التي من الممكن أن تطرح نفسها كبديل نهائي في وجه الخذلان العام، وجبهة النصرة من جهة أخرى، بغضّ النظر عن تسميتها الحاليّة، والمصادق عليها من قِبل القاعدة؛ وهي التي ظهرت منقذًا بكسرها حصار حلب، وها هي تخطّط لترسيخ جذورها بصورةٍ مستديمة في الأرض السوريّة.

إذا كان الجميع قد خسر في حلب، ما عدا انتهازيّي الحرب والجهاديّين؛ فما الذي ننتظره، إذًا، لنصحو ونعمل على إنجاز وقف إطلاق النار في حلب؟ هل نريد سورية خاصّة بجلّادي الأسد وجلّادي الجهاديّين، هل انعدم في سوريّة أيّ طريقٍ ثالث؟ أم نريد سورية يستطيع فيها المدنيّون العودة إلى الشوارع من دون خوفهم من التعرّض للتمزيق؟ سورية تستطيع فيها التظاهرات السلميّة بالخروج من جديد، كما حصل أثناء هدنة شهر آذار/ مارس الماضي؟ إذا كنّا مصمّمين على دعم “سورية الأمل” في مواجهة “سورية الكابوس”، فإنّ وقف إطلاق النار يفرض نفسه خيارًا واجبًا في أقرب وقتٍ ممكن. لقد اقترحتُ، منذ شهر كانون الثاني/ يناير 2014، صيغة وقف الأعمال العدائيّة في حلب، كبديلٍ لمفاوضات جنيف-مونترو، وكانت تلك الصيغة عند طرحها حسّاسة ومعقّدة التنفيذ، وهي اليوم، من دون أدنى شك، أصعب من قبل، لكنّها ستغدو أصعب غدًا، وستزداد صعوبةً بعد غدٍ.

علينا أن نجرّب وقف المعارك في حلب، من دون أن يتطرّق ذلك إلى موضوع ممارسة الحكم في دمشق، إنّه “سلام الشجعان” بين السوريّين، على الصعيد المحلّي، والذي يجمع بين الوطنيّين، وهم كثر في غرب حلب كما في شرقها، والذين لا يتحمّلون رؤية مدينتهم المشتركة تتدمّر. لكنّ ترتيبًا كهذا يفترض تحييد القوى الأجنبيّة جميعها؛ سواء كانت فرقًا عسكريّة روسيّة أم ايرانيّة، بالإضافة إلى الميليشيّات التابعة إليها، أو “المتطوّعين” الأجانب للجهاد.

لم يبقَ لدى ستيفان دي متسورا أي شيءٍ ليعرضه، بعد أكثر من سنتين من عمله، مبعوثًا خاصًّا للأمين العام للأمم المتّحدة إلى سورية، عليه أن يستخلص، ويعي، نتائج عمله البائسة ويستقيل، أو عليه أن يتحلّى بالشجاعة، أـخيرًا، وينزل إلى الميدان، إلى حلب، نعم إلى حلب حيث يتبارى  السلام و الحرب هناك بعيدًا، بل بعيدًا جدًّا عن بحيرة “لامان”؛ فمناقشة وقف إطلاق النار من الممكن، لا بل يجب أن تتمّ مع أولئك الذين يتحاربون، و إنّ أيّ عمليّة أخرى لن تؤدّي إلّا إلى إراحة نظام الأسد برفضه لتقديم أدنى تنازل، وإلى تشويه سمعة ممثّلي المعارضة، وتصغيرهم في عيون المقاومة الدّاخليّة. ستتمّ معارضة خطوة كهذه، بسبب الأخطار التي سيواجهها، لكن، لنكن متأكّدين أنّ “المجتمع الدولي”، ولضمان سلامة مبعوثه الخاص، سيستطيع تحريك الوسائل التي حرم منها، حتّى الآن، مئات آلاف المدنيّين المتروكين في حلب.

إنّ الدبلوماسيّة تتطلّب المهارة، والتصميم والخيال، لكنّها أيضًا تتطلّب الشجاعة اللازمة لرفض ما هو غير مقبول. إنّ محنة حلب قد دامت طويلًا؛ فعلى جميع الأسلحة أن تخرس، والآن.

عنوان المادة الأصلي بالفرنسيّة Pour un cessez-le-feu immédiat à Alep
اسم الكاتب بالعربية والفرنسيّة Jean-Pierre Filiu
مصدر المادة أو مكان نشرها الأصلي L’orient Le jour
تاريخ النشر 10 آب/ أغسطس 2016
رابط المادة

 

http://www.lorientlejour.com

/article/1000993/pour-un-cessez-le-feu-immediat-a-alep.html

اسم المترجم أنس عيسى

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق