تحقيقات وتقارير سياسية

إيران تختزل سورية بشخص بشار الأسد

وافق التدخل الإيراني في سورية كل توقعات المراقبين والسياسيين، والتي ترى أن علاقة عضوية تربط بين إيران وحزب الله اللبناني (ذراعها في المنطقة) والنظام في سورية، منذ أيام حافظ الأسد.

 

ارتكزت السياسة الإيرانية في سورية، منذ بداية الثورة السورية عام 2011، على قواعد ثلاث، هي: تثبيت الشمولية في الحكم، وإزاحة كل عقبة ممكنة أمام بشار الأسد، وتفكيك البنية العسكرية للجيش العربي السوري، وتحويله إلى مجموعات مسلحة بقيادات سورية وإيرانية، تأخذ تعليماتها من طهران، ثم ربط أي تعاون مع القوى الإقليمية والدولية في سورية ببقاء الأسد شخصيًّا، ودفعت إيران بكل طاقاتها البشرية والعسكرية والمادية لإنجاح تلك السياسة.

 

بحسب رئيسة المقاومة الوطنية الإيرانية، مريم رجوي، فإن طهران أرسلت 60 ألفًا من الحرس الثوري الإيراني، والميليشيات التابعة لها، مثل حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية؛ لحماية الأسد في العاصمة دمشق.

 

سورية طريق إيران للنفوذ

الدكتور خطار أبو دياب، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس، قال في حديثه لـ (جيرون): إنه “بعد الغزو الإسرائيلي للبنان ونشأة حزب الله اللبناني، أصبح اللاعب الإيراني يرى أن ممر الشام هو جسر حيوي له، وازدادت هذه العلاقة، إلى حد أن من أسس حزب الله كان موجودًا في السفارة الإيرانية بدمشق”.

ورأى أبو دياب أنه بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في شباط/ فبراير عام 2005، وحرب تموز/ يوليو 2006، أصبح هناك تناغم استراتيجي كامل بين طهران ونظام الأسد؛ ولذلك، “عند اندلاع الأحداث في سورية عام 2011، كانت نصيحة إيران للأسد، هي أن يعدّ مَثل والده في حماة هو المثل الأفضل”.

 

وأضاف أبو دياب: إن إيران عدّت أحداث تونس وليبيا ومصر، وفي كل المناطق التي لا تخصّها، هي عبارة عن “يقظة إسلامية”، ولم تعدّها ربيعًا عربيًا أو ما شابه، واستطرد: “لكن عندما وصل الأمر إلى حليفها، عدّت ما يحصل في سورية مؤامرة، وكان واضحًا أن سورية بالنسبة لإيران هي (المحافظة 35)، ولا سيما أنّ من دون هذا الجسر الحيوي، فإن مشروع إيران في المنطقة سيسقط؛ فسورية هي جسر إيران نحو لبنان، وممرها نحو العالم العربي”.

 

لم يستبعد أبو دياب أن تكون إيران هي التي تقف خلف تفجير خلية الأزمة في دمشق، في 18 تموز/ يوليو 2012؛ وذلك، للتخلص من عناصر يمكن أن تكون بديلة للأسد، أولها اللواء آصف شوكت واللواء حسن تركماني ووزير الدفاع حينها داوود راجحة، وأوضح أن “زمام الحكم بعدها استتب للحلقة الأولى التي تتمثل بآل الأسد وآل مخلوف وآل شاليش، وبعض كبار الضباط الأمنيين، ومع الوقت أصبح الحكم يُختصر بشخص”.

 

وأكد أن تمسك إيران بشخص الأسد، مرده إلى المنطق الذي تردده طهران بأن “النظام هو الشخص والشخص هو النظام. بالنسبة لإيران لن يكون هناك شخص على تناغم معها، وينفذ سياساتها كما شخصية الأسد، وفي حال تغيير الأسد، لن يكون عند طهران ضمانات كافية لرعاية مصالحها”.

 

إيران والجيش السوري: فرق تسد

تتضح معالم السيطرة الإيرانية على القرار السوري -أيضًا- في البنية العسكرية الجديدة التي خلقتها طهران في سورية، على مدار السنوات الخمس الماضية، حيث قامت بتفكيك بنية الجيش السوري، وجعلته ميليشيات متفرقة، يقودها عسكريون ومستشارون يأتمرون بأمرها؛ ما يعني أن القرار الموحد في الساحة العسكرية ذهب إلى طهران، وغاب عن القصر الرئاسي في دمشق.

عامر، ناشط سياسي في دمشق، قال لـ (جيرون): “يكفي المرء أن يسير في شوارع العاصمة؛ ليعلم أن القرار العسكري مصدره إيران وليس النظام السوري، خصوصًا أن أغلب حواجز النظام العسكرية، في شوارع دمشق وخارجها، تحتوي على أعلام حزب الله اللبناني، كما لا تخلو من وجود إيرانيين أو لبنانيين تابعين للحزب”.

 

وأضاف: إن الوجود العسكري الإيراني، بما فيه حزب الله اللبناني، بات يؤرق السوري نفسه في دمشق، حيث أصبح يُدرك أن أي معضلة تواجهه مع العسكريين، لن يستطيع تفاديها بالرجوع إلى المؤسسة العسكرية السورية؛ فهي “لم تعد تفعل شيئًا، أصبحت تنفذ ما يُملى عليها فحسب” وفق رأيه.

بينما أوضح أبو دياب أن هناك قدرة تغلغلية لجماعات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله في المؤسسة العسكرية السورية، واستطاعت تأطير جيش رديف حمى الأسد من السقوط؛ لذلك، “نلاحظ أن الجيش العربي السوري يلعب دورًا رمزيًا في المعارك الأساسية اليوم، في حين تلعب إيران والجماعات الموالية لها الدور الأبرز، بمساعدة الطيران الروسي”.

 

الخطة (ب) الإيرانية: سورية المفيدة

يرى كثير من المراقبين أن إيران في حال فشلت في إبقاء الأسد رئيسًا لسورية، فإنها ستذهب إلى الخطة (ب) التي تتمثل بتفكيك الوحدة الجغرافية لسورية، وإبقاء الأسد حاكمًا على ما بات يعرف بـ “سورية المفيدة”.

وهذا يتوافق ما يراه أبو دياب، الذي رأى أن إيران “تجد ما يسمى سورية المفيدة كافية لها، لأن ما يهمها هو الحفاظ على لب الحكم، من دمشق إلى حمص فالساحل السوري وأطراف حلب، إضافة إلى القدرة على أن يكون طريق الوصل مع لبنان مؤمنًا لها”.

 

من جهته، رأى عامر أن تركّز المعارك الساخنة في سورية على جبهات محددة، تعكس أولويات طهران في البلاد، التي قال إنها “قاتلت -بكل قواها- على جبهات الخط الحدودي الواصل مع لبنان لتأمينه، وتقاتل مع النظام السوري -بشراسة- على جبهات حلب والساحل السوري، وكأنها تريد أن تترك حيزًا، تركن إليه في حال فشلت مساعيها للقضاء على ثورة الشعب السوري”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق