مقالات الرأي

معركة حلب والوقوف عند حمص

من غير المستغرب أن يكون عدد المقالات والتحليلات، المرئية والمقروءة، التي تحدثت عن معارك حلب، أكبر من أي عدد تناول حدثًا آخر، حتى في كبريات الصحف العالمية والعربية والإقليمية، وحلب تستحق ذلك الاهتمام، وبطولات الثوار تستحقه أيضًا، أما ما يستحق أكثر منه، فهو تلاحم الفصائل فيما بينها، من جهة، والاحتضان الشعبي الذي يواجه الموت يوميًا، قصفًا وتجويعًا، من جهة أخرى. والحق يُقال، كان المشهد الحلبي مشهدًا، لطالما حلم به الشعب السوري وتمناه منذ سنين عدة، وكانت الجرعة الحلبية، تلك، الأوكسجين الذي أعاد الروح إلى السوريين، وأبعد عنهم الإحساس بالاختناق والشعور باليأس والإحباط.

 

في خضم الفرح، تبرز أسئلة مشروعة، ماذا بعد؟ وهل يملك “جيش الفتح” خطة أكبر من فك الحصار؟ وما علاقة حلب كلها، على افتراض أنها جوهرة الخطة، بالحل السياسي الذي يسعى إليه من كلف ديمستورا بالعمل من أجله؟ وهل ستنتهي المعارك الحلبية، دون أن يحاول حلفاء النظام -معه- التقاط الأنفاس، والبدء بهجوم معاكس؟

 

كما طُرحت أسئلة أخرى على قيادات الفصائل، عبر ناشطين متواصلين معها، بعد حلب إلى أين؟ وهل لدى قيادات الفصائل خارطة واضحة للأهداف القريبة والبعيدة؟

كانت الإجابات متشابهة إلى حدٍ بعيد، ومفاجئة -أيضًا- إلى حدٍ غير قليل، “سنتابع القتال حتى حدود حمص”، ولماذا ليس إلى دمشق التي لن ينتهي النظام الأسدي دون  تحريرها؟ ولماذا لا تتضمن الخطة تحرير حمص؟ وهل هذا يعني أن فصائل الغوطة لن تُنسّق مع جيش الفتح، وأن فصائل الجنوب لن تمتد إلى الغوطة؟ هل هذا يعني أن الثوار المقاتلين على الأرض السورية لن يتحدوا؛ وبالتالي، ارتضوا بتقاسم المناطق السورية، وفق وجودهم على أرضها، وتركوا لكل فصيل مهمة تحرير المنطقة التي ينتشرون فيها؟  فضلًا عن أسئلة أخرى أثارتها مفاجأة الإجابات!

 

بدايةً، كان التحليل يتجه إلى ضعف الإمكانات العسكرية في مواجهة الحشد المذهبي الهائل، مع بقايا الجيش السوري، ومع القصف الروسي المتوحش، لكن ذلك لم يمنعهم من اقتحام أشد مواقع العدو تحصينًا، مدرسة المدفعية مثلًا، وبحسب رأي العارفين، ما كسبوه من سلاحها وذخيرتها يسمح بامتداد القتال لسنوات عدة، وإذا كانت النيّة الوصول إلى حدود حمص، فهذا يعني أن فصائل ريف حماة الشمالي، المشهود لها -إلى اليوم- بالثبات والصمود، ستتوحد معهم، أو على الأقل، ستُنسّق معهم، وبذلك يزدادون قوة، تؤهلهم -بالتنسيق مع الفصائل المقاتلة في ريف حمص الشمالي- لتحرير حمص.

 

إذا لم يتطابق التحليل السابق مع الوقائع، ولا مع منطق الثورة، فما هو التحليل الأكثر قربًا من منطق الوقائع تلك؟

هل لتلك الاستراتيجية علاقة بالمفاوضات؟ وهل الهدف من فك حصار حلب جر أقدام (جيش الفتح) إلى المفاوضات أيضًا، كما حدث مع جيش الإسلام؟ وبذلك تُقدِّم هيئة المفاوضات ورقة قوية، تقول للمجتمع الدولي فيها: هؤلاء ثوار سورية المقاتلون جميعًا يقبلون بالحل السلمي الذي يكفل تغييرًا يتضمن الحرية والعدالة والكرامة، وسيمهرون أي اتفاق، في إطار تحقيق تلك الأهداف، بتواقيعهم؛ ولذا، لا خوف من فوضى السلاح بعد الاتفاق، فالثوار المسلحون تحت السيطرة، وكل من يخالف، ستساعد هذه القوة على إعادة انضباطه ولجم أذاه.

 

إذا كان الهدف من معركة حلب، إعادة ميزان القوى المختل بحصارها على طريقة (الحرب استمرار للسياسة)، فقد تحقق الأمر، وليس المطلوب أكثر من تحرير المدينة نفسها؛ لتثقيل ميزان المقاومة السورية. فلماذا يطمح الثوار إلى حدود حمص؟ هل يعتقدون أن الوصول إلى حمص سيُنهي النظام ويُسقطه، دون ضرورة الاستمرار والدخول إلى المدينة نفسها، والذي قد يكلف كارثة إنسانية أكبر مما حدث إلى الآن؟ وإذا كان الوضع الحمصي كذلك، فما خطب الابتعاد عن دمشق، وهي الحامل السلطوي للنظام الأسدي، وبدون تحريرها، سلمًا أو حربًا، لن تتحرر سورية؟

 

أما إذا كانت الإجابات كلها تُعبِّر عن أحلام المقاومين، وقد آثروا أن يُعطوا ما هو معقول منها؛ فتوقفوا عند حمص، فالأحلام تتسع لسورية بقضها وقضيضها، بحاضرها ومستقبلها، ولولا أمثال تلك الأحلام، لما ثار ثائر، ولما ارتفعت بندقية!

 

قد يُلقي ضوءًا ما على الإجابات المبهمة تلك، استطلاع المواقف الدولية، والمهم هنا ليس ما تُصرّح به الدول، فقد اعتاد السوريون -خلال السنوات الست التي مضت- على تدوير الكلام ومضغه وبلعه أحيانًا، أو بصقه أحيانًا أخرى، ولذا فإن أفضل وجهة يتوجه السؤال إليها هي المقاومون أنفسهم، هل للموقف الدولي علاقة بالوقوف عند حمص؟ ولماذا؟

 

بعد حوار مُعقّد ومُطوّل مع أصحاب “الوقوف عند حمص”، أجاب بعضهم بوضوح، نعم الموقف الدولي هو السبب الأهم والأقوى، لأنهم، كما قيل، إذا دخلوا حمص سيقاتلون المجتمع الدولي بأكمله!!

لقد فهم المقاومون السوريون المقاتلون -أخيرًا- اللعبة الدولية التي تُمارس في ملاعب سورية، ووضعوا لأنفسهم الحدود الممكنة، لكن المراقبين يتشككون حتى في ما يستطيع الثوار تحقيقه ضمن تلك الحدود، على الرغم من الانتصار الأسطوري الحلبي، ليس لشك في قدراتهم الذاتية، وإنما الشك ينال عصا مجلس الأمن، وما يسبقها أو يلحقها، والتي لم تُشهَر إلا في وجه الثوار السوريين!

 

لكنَ احتمالًا آخر يبرز في لوحة الاحتمالات تلك، هل اتُخذ قرار التقسيم؟ وهل تلك حدود الإمارات المقترحة لسورية في أسوأ الأحوال؟ أو الفيدراليات المقترحة في أحسن الأحوال؟ وإن كان من الصعوبة بمكان تنقية تلك الفيدراليات من الاختلاط المذهبي والعنصري، فماذا ينتظر سورية؟ وهل لكوارثها وخرابها نهاية؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق