مقالات الرأي

جذور الإرهاب المقدسة

ثمة عوامل كثيرة خارجية تتصل بالصراع بين الشرق والغرب، لم يكن الاستعمار المباشر أهمها، بل –أيضًا- وكلاء الاستعمار الممَثلون بالأنظمة الملكية وأنظمة حكم الجنرالات المستبدين، المعتمِدين في حكمهم على الدين والأسطورة والأيديولوجيا الشمولية، الذين كرسوا بيئة حاضنة لاستمرار حكمهم؛ بيئة التخلف والأمية والانغلاق والتفكك، والتي استطاعوا من خلالها السيطرة على المجتمع وقيادته، والتلاعب بالحياة السياسية والوطنية.

 

كما أن رجال جميع الديانات وجدوا من الملائم تكريس هذا الواقع البائس، الذي يؤمن مصالحهم الدنيوية؛ فتحول جلّهم من علماء الأمة إلى جهلائها وسفهائها، ولم يرتقوا إلى مستوى نبل الأديان السماوية وشرائعها السمحة، بل أصبحوا طفيليات تقتات على موائد الحكام وعلى الأحقاد الطائفية والتمايز الديني.

 

ومما لا شك فيه أن الظلم والاضطهاد الجماعي والفردي، والقسوة المفرطة في قمع حركات الإصلاح والتغيير؛ إضافة إلى الفقر والتخلف والقهر، وفقدان الأمل بالإصلاح والحياة الحرة الكريمة، لعبت، وما زالت تلعب، دورًا أساسيًا في التطرف والجنوح نحو العنف؛ وهذا أمر يعرفه الجميع، وكتب عنه كثيرون.

 

قد لا نجانب الصواب إذا قلنا: إن الإرهاب وجد مع وجود الإنسان البدائي. وقد مورس في البداية بيولوجيًا، من أجل السيطرة على الطبيعة وخيراتها المادية (المأكل والملبس… إلخ) والدفاع عن النفس ضد الحيوانات المفترسة، تقوده –في ذلك- غريزة البقاء؛ التي تطورت لتُمارس من أجل سيطرة الإنسان على الإنسان.

 

منذ الجريمة الأولى لهابيل بحق أخيه، انطلق العنف والقتل في ظل الصراع على الخيرات المادية وحيازة الملكية الخاصة والسيادة. ثم جاءت الديانات السماوية “اللاهوت” و”العقائد المقدسة”؛ لتصب الزيت على النار، وتؤجج هذا العنف، وتعطيه الحق والشرعية. فجميع الديانات الوثنية والتوحيدية: اليهودية والمسيحية كما الإسلامية، دعت إلى العنف وقتل الكفار والمشركين وتحديد الفرقة الناجية، ولم تترك الأمر لرب العالمين ويوم الحساب، بل مارسته على الأرض نيابة عن الله وباسمه؛ هذا في الظاهر، أما في الباطن فهي مجرد حركات سياسية تتستر بالدين، كي تحقق الاستحواذ على الملكية والسيادة، بواسطة السلطة والعقيدة. وأكبر دليل على ذلك أن جميع الكتب والشرئع السماوية تدعو -في الوقت نفسه- إلى التسامح والمحبة وقبول الآخر!

 

فأين المشكلة إذاً؟ في الدين أم في المتدينين؟

لستُ شيخًا أو عالم دين، لكن ما أعرفه جيدًا أن جميع الديانات جاءت “كي تتمم مكارم الأخلاق” وترسخ القيم الإنسانية العليا للبشر، لكن البشر استخدموها -في ظل الصراع على السلطة والثروة- من أجل مآربهم الشخصية وغرائزهم الحيوانية.

 

ما أريد قوله أن الدين أي (العقيدة المقدسة)، هي أساس التعصب والتكفير، وممارسة العنف ضد الآخر المختلف؛ لأن كل ما عدا المقدس مدَنّس برأيهم. وهو -أي المقدس- من أهم الأدوات التي استخدمها ويستخدمها السياسيون ورجال الدين؛ لتحقيق مآرب أرضية، مغلفين هذا بالأساطير والعقائد السماوية الميتافيزيقية الراسخة الأزلية، التي لا تُنتقد ولا تُدحض من قبل البشر. إنها سلاح فتاك وقاتل للفكر والاجتهاد والإبداع والتغيير. وهي هدية كبيرة من السماء للمستبدين والقتلة والمجرمين، سواء كان هذا الاستبداد سياسيًا عسكريًا أم دينيًا متعصبًا، وهي تعطي الحق للسادة من الطرفين -السياسي والديني- لممارسة الاضطهاد والظلم والقهر، الذي يولّد -بدوره- التزمّت والتطرف والعنف.

 

لنتذكر -وحسب- الحروب الدينية بين اليهود والكفار في العصر اليوناني، وبين اليهودية والمسيحية (الكافرة) في العصر الروماني، والحروب المذهبية الطاحنة بين المسيحيين المنقسمين على أنفسهم، وهم الذين يدينون بدين المحبة والسلام؛ ألم يقطعو رأس يوحنا المعمدان، ويصلبوا المسيح ويعاقبوا تلامذته ومريديه بالقتل والحرق وقطع الرؤوس؟ ألم يُقتل في العصور الوسطى وحدها، عشرات الآلاف من المسيحيين المختلفين مع المقدس، على يد الكنيسة ومحاكم التفتيش، تحت شعار الهرطقة والكفر والإلحاد؟ وهذا ما تكرر في الإسلام أيضًا؛ ألم يقتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين بالخناجر!؟ ألم يقطعوا رأس الحسين حفيد الرسول، ويقتلوا أسرته! ألم يحرق السلاجقة قرى إسلامية بكاملها؛ لأنها تنتمي لمذهب آخر (الإسماعيليين)!؟ ألم يدفعوا حسن الصبّاح إلى تأسيس دولة القلاع، واستخدام الخناجر، وممارسة العنف ضد أعدائه (السنّة)!؟ ألم يقتلوا مئات العلماء والمفكرين والفلاسفة والأدباء تحت شعار الزندقة والكفر والفلسفة والباطنية!؟

إن تاريخ الديانات، هو تاريخ من الإرهاب النفسي والبيولوجي والفكري.

 

وهذا لا يعني أن العيب في هذه الديانات السماوية؛ فالديانات -كما هو معروف- آمن بها الفقراء والمظلومين والمهمشين من الناس الناسوت”؛ وهي مليئة بالقيم الأخلاقية والإنسانية التي تدعو إلى العدل والمساوة والرحمة واللطف واحترام حياة الإنسان وكرامته، وتقف ضد البغي والتمييز والقهر والتوحش، فالعيب في جعل “اللاهوت” شريكًا في السلطة، إن لم نقل والدًا ومولّدًا لها؛ وما من سلطة أتقنت استخدام الدين، كما فعلت سلطة الاستبداد بأشكالها المختلفة، المعادية أصلًا لجميع تلك الحقوق والقيم الإنسانية؛ وما من ديانة أتقنت استخدام سلطة الاستبداد كما فعلت عبر العصور كلها، السلطات الدينية، التي تُعدّ -بحق- جذر الإرهاب؛ سواء كان وثنيًا أم يهوديًا أم مسيحيًا أم إسلاميًا… ومن هنا بات من الضروري أن نعطي “ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، وأن نفكر في حماية الدين من السياسة، وحماية السياسة من الدين. ولا يتم ذلك إلا بفصل الدين عن الدولة، وإخراجه من سوق التداول الرخيص، والتدخل السافر في الشأن العام، وعودته -بكل احترام وتقدير- إلى مكانه الطبيعي الذي وجد من أجله؛ أي: الكنيس والكنيسة والمسجد والمعبد، وغيرها من دور الله.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق