تحقيقات وتقارير سياسية

سورية: المنظمات الدولية بين الحاجة الماسة وتكاليفها الباهظة

ارتبط اسم المنظمات الدولية، غير الحكومية، بتقديم المساعدات الإغاثية والإنسانية للشعب السوري، خاصة في ما يخص قضايا اللاجئين والمهجرين الذين تضرروا، بسبب الحملة العسكرية الهمجية التي شنها النظام السوري على الشعب الأعزل، وما نتج عنها من حملات تهجير قسري، حيث أوضحت أحدث إحصاءات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، نشرها موقع البنك الدولي، أن نصف عدد سكان سورية قد تعرضوا للنزوح القسري، وتشير التقديرات إلى وجود 7.6 مليون مشرد داخل البلاد، و4.8 مليون لاجئ مسجّل (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 2016).

 

ومع استمرار المعاناة في سورية أصبحت الحاجة إلى الخدمات التي تقدمها هذه المنظمات أكثر إلحاحًا، خاصة فيما يتعلق بالنازحين والمهجرين، في المقابل، بدأت أصوات عديدة تتحدث عن جدوى وجود هذه المنظمات، في ظل التقارير الكثيرة التي تتحدث عن التكلفة التشغيلية المرتفعة، والتي تصل -في بعض الأحيان- إلى نصف المنحة المقدمة باسم مساعدة الشعب السوري.

 

أهم نشاطات المنظمات الدولية

تتعدد المهمات التي تقوم بها المنظمات الدولية غير حكومية، لكنها تنقسم إلى قسمين أساسيين، وفق ما يؤكده طه عبد الرحمن، أحد العاملين السابقين في عدة منظمات:

القسم الأول، مخصص للدعم المادي للاجئين والنازحين، و ينقسم -بدوره- إلى قطاعات عدة، هي:

– قطاع “الووش” الذي يهتم بالصرف الصحي، والإمداد بالمياه، وتعزيز النظافة، وإزالة النفايات الصلبة، ومحاربة النواقل المرضية.

قطاع “الإيواء” وتأمين المسكن الملائم، كتأمين الخيم وإصلاح بعض الأبنية التي يقطنها النازحون، كالمدارس، والأبنية الحكومية والخاصة؛ لتكون صالحة للسكن.

قطاع “الإغاثة” ويهتم بالحصص الإغاثية بشقيها: الغذائي، وغير الغذائي، كالألبسة، وحصص النظافة، والمساعدات المالية.

قطاع “الصحة” المسؤول عن تقديم الرعاية الصحية والأدوية.

قطاع “التعليم” الذي يساعد في حل مشكلات الانقطاع عن التعليم.

قطاع “سبل العيش” المسؤول عن دعم المشاريع الصغيرة للفلاحين وأصحاب المهن والأفران.

القسم الثاني: وهو الذي يقدم الدعم المعنوي كحملات التوعية، والحماية للأطفال والنساء، وحملات لفت الانتباه العالمي إلى قضايا اللاجئين، إضافة إلى دعم وتطوير المجتمع المدني، وتعزيز السلم الأهلي، ودعم المشاريع الإعلامية.

 

كيف يقيم السوريون عمل المنظمات

تباينت مواقف السوريين حيال عمل المنظمات الدولية العاملة، بين مؤيد ومتحفظ، خاصة فيما يخص المصاريف التشغيلية لعمل هذه المنظمات، والتي تتضمن رواتب العاملين العالية جدًا، خاصة للفرق الأجنبية، وإيجار المقرات والمكاتب، وغيرها من التكاليف الباهظة، التي يتم تحميلها على المنح المخصصة لهذه المنظمات، من أجل تنفيذ مشاريعها، والتي تصل -في بعض الأحيان- إلى نصف قيمة المنحة المخصصة لهذه المنظمات.

وفي هذا الخصوص، يؤكد السيد “أبو البراء”، مسؤول المخيمات في مدينة أعزاز، لصحيفة (جيرون)، أنه لا يخفى على أحد أن ما نسبته 40 إلى 60بالمئة من المنحة المخصصة، تذهب كمصاريف تشغيلية، وما تبقى منه يذهب إلى النازحين، لكن ما من سبيل آخر أمامنا سوى القبول؛ فالمنظمات تقوم بأعمال كثيرة في القطاعات المختلفة، ولا يمكننا -بأي حال من الأحوال- سد الفراغ الذي ستتركه هذه المنظمات، في مجال الخدمات الإغاثية، والووش، والتعليم.

في حين يرى الناشط “أبو أنس الحلبي” أن ما يحدث جريمة بحق الشعب السوري؛ فالمنح المخصصة لدعم الشعب السوري تُسرَق بهذه الطريقة، وفي المحصلة يجري الحديث عن مبالغ ضخمة مخصصة لدعم الشعب السوري، بينما يذهب القسم الأكبر منها رواتبَ ومصاريفَ ترفيهية للموظفين الأجانب، دون أدنى إحساس بمعاناة الناس؛ فكيف لعامل في المجال الإنساني أن يقبل على نفسه أن يكون راتبه 10 آلاف دولار من مخصصات الشعب السوري، وأن يساهم بعمل ذي طابع إنساني، كما تطلق هذه المنظمات الدولية على نفسها، وهو يدرك -أكثر من غيره- بأن الشعب السوري بأمس الحاجة لأبسط مقومات الحياة، فالمبالغ التي خصصها، ما يسمى بـ “أصدقاء الشعب السوري” مبالغ ضخمة، لكن في الحقيقة تُسرَق بهذه الطريقة.

 

في المقابل، يعدّ المهندس إياد مصطفى، أحد العاملين في المنظمات الدولية، في تصريح لـ (جيرون)، أن هناك سوء فهم، من شرائح متعددة، لموضوع تمويل هذه المنظمات، مرده إلى عدم معرفة آلية عمل هذه المنظمات، وكيفية التقدم لمنح الدول المانحة من جهة، والسبب الثاني، سوء الأوضاع المعيشية للنازحين واللاجئين، والذي ينعكس سلبًا على المزاج العام تجاه عاملي المنظمات الدولية، وخاصة الأجانب منهم.

 

وأوضح أن المنظمات تتقدم إلى مناقصات؛ للحصول على منح من الدول، والجهات المانحة، وفق معايير دولية مطبقة في كل أماكن عمل هذه المنظمات في دول العالم التي تتعرض لكوارث أو نزاعات مسلحة، ولكي تحصل هذه المنظمة أو تلك على المنحة، يجب أن تلتزم بوضع ميزانية محددة عن كيفية صرف هذه المنحة، وهناك فرق مراقبة وتقييم، مهمتها متابعة عمل هذه المنظمات، ومدى التزامها بتحقيق الشروط المتفَق عليها مسبقًا، فغالبًا ما يُفهم  تخفيض النفقات التشغيلية على أنها تقصير في عمل المنظمة، وعدم قدرتها على اختيار كوادر محترفة؛ للعمل على تنفيذ المشاريع المتفق عليها، وهو ما يترتب عليه  رفض عرض المنظمة من قبل الجهة المانحة.

 

وتابع، النقطة الثانية التي تسبب التباسًا في فهم آلية عمل المنظمات، تكمن في  إغفال فكرة دور المنظمات في  تطوير المجتمع التي تعمل فيها هذه المنظمات، وفق مبدأ “لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطاد”، خاصة ما يتعلق منها بجانب بناء القدرات، وتدريب الكوادر لدى شرائح واسعة من النازحين والمهجرين، فالقسم الأكبر من العاملين السوريين في المنظمات الدولية، هم -في الأصل- من النازحين والمهجرين، إضافة إلى برنامج تطوير سبل العيش، الذي يهدف إلى دعم النازح من خلال تطوير مهاراته ليكون منتجًا، بدل أن يكون اتكاليًا، ينتظر المساعدات من الجهات الإغاثية.

 

وعلى الرغم من تباين مواقف السورين من المنظمات الدولية، يبقى الثابت الوحيد أن المنظمات الدولية أصبحت جزءًا أساسيًا من حياة السوريين، في المخيمات وبلدان اللجوء، كما أن وجودها أصبح حاجة ماسة للمحافظة على الحد الأدنى من مقومات الحياة، لشرائح كبيرة من السوريين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق