سورية الآن

السعودية واحتمالات إيقاف التمدد الإيراني

بلغ التوتر بين السعودية وإيران حدًا، تبدو معه إمكانية تطبيع العلاقات بين البلدين شبه مستحيلة، حاليًا على الأقل، ليس لاختلافات مذهبية أيديولوجية عميقة فحسب، أثرت بشكلٍ أو بآخر على ملفات المنطقة كافة، وإنما لتنام الخوف داخل النظم الحاكمة في دول الخليج العربي، بشكلٍ عام، والسعودية بشكلٍ خاص من تمدد النفوذ الإيراني، ووصوله إلى الحدود الخليجية كما حصل في اليمن، وأحيانًا إلى داخل تلك الدول كما حدث في البحرين.

 

النفوذ الإيراني، أو طموحات طهران إلى إعادة إنتاج مشروع إمبراطوري، مبني على إمكانات دولة إقليمية كبرى، تجاوز مسألة الخطاب المذهبي، ودعم التجمعات الشيعية داخل بعض البلدان العربية، سياسيًا وماليًا وعسكريًا، ضمن سياسة تصدير الثورة، إلى مرحلة التدخل المباشر على الأرض، كما هو الحال في العراق وسورية، في حين استمرت الدول العربية، وعلى رأسها السعودية، في اتباع الأنموذج التقليدي للسياسة العربية، القائم على الشجب، وأحيانًا “الندب”؛ اعتمادًا على المنظمات الأممية والإقليمية، ذات الصلة، دون أي تأثيرٍ فعلي على الأرض.

 

التغير النسبي في السياسة السعودية  ظهر في إثر الأحداث اليمنية، وما يمكن أن تحمله من تهديدات حقيقة للأمن الداخلي للمملكة؛ وبالتالي، ذهبت الأخيرة إلى عاصفة الحزم؛ لإيقاف استئثار طهران بالعملية السياسية في صنعاء، إضافةً إلى الرسائل السياسية التي تحملها العمليات العسكرية في اليمن، إقليميًا ودوليًا، إلا أن عاصفة السعودية لم تؤتِ ثمارها بعد، وكذلك، فإن الغضب السعودي بدا واضحًا تجاه ما يحدث في سورية، وباتت العديد من المؤشرات تدل على رغبة الرياض في تغيير موازين القوى على الأرض، داخل تفاصيل الصراع السوري؛ بناءً على تفاهمات -متبدلة- مع الأتراك، وربما خلال الفترة المقبلة؛ استنادًا إلى تفاهمات مماثلة مع موسكو.

إلى أي حد يمكن أن تنجح السعودية في وضع حدٍ للنفوذ الإيراني، تبقى مسألة مُرتبطة -بعيدًا عن رغبات المملكة وجديتها- بمجمل التحالفات الإقليمية الدولية، القائمة في المنطقة الآن، بمعنى أن الرياض ستحتاج إلى إقناع الأميركيين بخطورة ما يفعله الإيرانيون، والذي أدى إلى انقساماتٍ عمودية داخل عديد الأقطار العربية، وبات يُشكل خطرًا وجوديًا على مستقبلها، إلى جانب فتح مسارٍ جديد في العلاقات مع موسكو، التي تبدو -إلى حد بعيد- صاحبة أيادٍ طويلة داخل المنطقة، ولا سيما في الملف السوري.

 

في المقابل، ستظل إيران -مزهوة بتحالفات المنطقة القائمة- تسعى إلى تمرير مشروعها التوسعي من بوابات المشرق العربي، خاصةً أنها أنهت مخاوفها من أي تحرك عسكري دولي ضدها، بعد توقيع الاتفاق الخاص بملفها النووي؛ بالتالي، تبدو طهران إلى الآن، وضمن هوامش المناورة داخل المعادلات السياسية المُتحكمة حاليًا بمجمل أحداث شرق المتوسط، الأكثر قدرةً على المبادرة والفعل والتأثير في أهم أقطار المشرق العربي (العراق وسورية)، دون إغفال ما يمكن أن يُحدثه التغلغل الإيراني داخل دول الخليج نفسها، في حال تصاعد الصدام أكثر من ذلك.

 

من جهتها -ووفق العديد من وجهات النظر- لن تستطيع السعودية بالاعتماد على ثقلها وعلاقاتها، وما تمتلكه من أوراق سياسية استراتيجية، تغيير ما يحدث على الأرض، ولا سيما أن المشروعات ترسمها -الآن- خرائط المعارك المتحركة في أكثر من مكان، خاصةً في ظل الانكماش غير المسبوق للثقل المصري، ودوره في ملفات المنطقة، وبهذا المعنى لا بد للمملكة من قطع الطريق على طهران، بإجراءاتٍ “صادمة” على الصعيد الداخلي، ليس في السعودية وحدها فحسب، وإنما في دول خليجية أخرى، إضافة إلى بعض أقطار المشرق العربي التي توجد فيها الطائفة الشيعية، حصان طهران الأسود في الدخول إلى المنطقة؛ ما يعني تغيرًا جذريًا في البنية الذهنية للنخب الحاكمة، يؤسس لهيكلة جديدة لشكل ومضمون الدولة، بالمفهوم العربي، يقود نحو رسم تحالفاتٍ جديدة، بعيدًا عن تلك التقليدية التي اعتمدت عليها دول الخليج تاريخيًا، وأثبتت عدم قدرتها على حماية وجود تلك الدول على المدى الطويل.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق