سورية الآن

تكسّر أحلام الطغاة على أبواب حلب

لم يكن حصار حلب بالسهولة التي صوّرتها ماكينة الدعاية الروسية وأتباع إيران في المنطقة، فما لم يتم تحصيله بصراع الإرادات وحربها الشرسة لا يمكن تحقيقه بالدعاية، تلك تصلح بدرجة كبيرة لجبر خواطر أهل القتلى الذين يعودون على شكل نعوش بعد أن أدوا مهمّتهم في فداء “إجر” هذا الزعيم، أو “لأجل عيون” الآخر القابع في قصر المهاجرين يحميه الجندي الأجنبي من “شعب”ـه.

 

 

هل قلت طريق الكاستيلو؟ “شيء يشبه ممر دانزنغ البولندي”، طريق ترابي وضعه إعلام إيران بوزن ممر إستراتيجي من شأنه تغيير المعادلات الإستراتيجية في العالم ووضع إيران وأذرعها بموضع المتحكم بقلب العالم، لدرجة أن من يسمع خطاب ذلك الإعلام يعتقد أن الجيوبوليتيكي البريطاني السير هالفورد ماكندر أخطأ عندما اعتبر أن قلب أوراسيا هو مركز العالم وأن من يسيطر عليه يسيطر على العالم، والأصح أن طريق الكاستيلو الترابي هو قلب العالم فهو يشرف على أحياء “الكلاسة والصالحين وبستان القصر”؟

 

حصار حلب، والحديث عن معركة كبرى وممرات “إنسانية” وعفو عن الثوار، تلك لم تكن سوى وصلة لازمة تعزفها فرقة، اتضح أنها لم تدخل علم الاحترافية في السياسة والعسكر، وفي سياق سيرتها اللاواقعية في حرب خاسرة من ألفها إلى يائها، إذ لم يحصل في تاريخ الحروب أن جرى استثمار كل هذه الإمكانات الضخمة على المستويات البشرية والاقتصادية لأجل المحافظة على رأس شخص في حرب مديدة وبيئة سياسية دولية شديدة المتغيرات لدرجة انها قد لا توفر دولًا عظمى في سياق حراكها وموجات تداعياتها.
لا شك أن حلف “روسيا وإيران” وأتباعمها قد بنوا قرار حصار حلب على قراءة ناقصة لا تصلح حتى للقيام بمناورات خلبية، فما بالك بإحداث تعديلات إستراتيجية كبرى تغيّر جميع المعادلات القائمة على الأرض من نوع إخراج حلب من معادلة التوازن القائمة في سورية بين الأطراف المتصارعة إلى حين التوصل إلى صيغ سياسية ترضي الجميع، فهل كان ينتظر هذا التحالف من الطرف الآخر أن يرفع له القبّعة وهو يجرده من كل أوراق القوة لديه، أي لا واقعية تلك التي يحلم بها صناع قرار يتحكمون بمصائر شعوبهم المنكوبة بهم؟

 

ببساطة، شطبت حساباتهم، المتعجّلة، المصالح الأميركية في إرساء حالة التوازن، بل الأكثر من ذلك جهد إدارة أوباما الطويل في بناء التوازن الذي تم لمصلحة تحالف روسيا وإيران بدرجة كبيرة، بعد أن مارست إدارة أوباما دورها في تقنين الأسلحة والمعدات التي يجري إيصالها لفصائل المعارضة والضغط على الدول الإقليمية الداعمة لهم في العمل تحت سقف الجهود الأميركية ورؤيتها للحل، بعد أن اقتنعت الأخيرة أن الأولوية للحفاظ على سوريا في اليوم التالي للتوصل إلى صيغة للحل، ولا شك أن قول تحالف “روسيا وإيران” بأن حصار حلب يشكل كسرًا للخطوط الحمر التي وضعتها أميركا كان سلوكًا متصابيًا ينطوي على رعونة في القراءة السياسية أدهش البيت الأبيض وزاد من الشيب الذي يغطي رأس باراك أوباما.

 

كما أن تلك الحسابات، جعلت الأطراف الإقليمية، في ليلة وضحاها، تتقبل راضية خروجها من المعترك الإقليمي خالية الوفاض، وكأنها فجأة باتت بلا وسائل ولا أدوات ولا أوراق قوّة؟ وتناست أطراف ذلك التحالف أن الأطراف الإقليمية الداعمة للثوار في سورية تتعامل مع المعركة بوصفها حرب وجود وتدرك أن خسارتها هناك تمثل تهديدًا إستراتيجيًا حقيقيًا، ولم تكن بحاجة إلى تصريح حسن نصر الله بأن المعركة القادمة في مكة، فهي تعرف تمامًا ما تخطّط له إيران وما تطمح له روسيا، كما أن تصالح تركيا مع روسيا لا يعني تنازل الأخيرة عن أمنها القومي الذي تشكّل حلب إحدى أهم واجهاته المعاصرة.
لكن أهم شطحات اللاواقعية، عند صناع القرار في تحالف روسيا – إيران، تمثلت بعدم اهتمامهم بأحد أهم معطيات المعركة في حلب، وهو وجود عشرات آلاف المقاتلين ذوي الخبرة في الحرب، فقد سقط من أيدي ذلك التحالف حقيقة أن القيام بدعسة زائدة في معادلات الصراع من شأنها أن تجر تداعيات غير محسوبة ولا متوقعة لديهم، ذلك ان وضع أولئك الثوار ضمن معادلة الإبادة أو الاستسلام الذي يتبعه الإبادة أيضًا سيدفعهم إلى تغيير آليات وطرق عملهم بطريقة تتناسب مع التحدي المفروض عليهم وتعكس حجم قوتهم الحقيقية، كما أن الارتكاز على القوة النارية التي تؤمنها روسيا قد يساعد في مواضع محدّدة لكنه لا يحسم الصراع نهائيًا ولا يستطيع القضاء على الخصم، وهو ما أثبتته الحروب اللامتماثلة منذ عقدين، لكن يبدو أن صداه لم يصل بعد إلى إستراتيجيي حلف روسيا وإيران وأتباعهما.

 

ليس حصار حلب سوى جملة من الحسابات الخائبة والأحلام اللاواقعية، لم يدم طويلًا، لكنه شأنه شأن كل الحروب التي يخوضها الطغاة والمستهترون بحياة البشر ووجودهم، كانت تكاليفه مرتفعة أغرقت “إجر” ذلك الزعيم إلى الركبة، وهشّمت صورة فلاديمير بوتين الذي سارع وزير حربه بطلب الاستسلام من ثوار حلب، فيما كشفت تلك الواقعة أن دولة الملالي لا تعرف سوى رشوة فقراء الطائفة لدفعهم إلى الموت بينما مرشد الثورة يسهر كل ليلة مع المهدي!

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق